يتجه الخلاف بين الجزائر والإمارات إلى مرحلة أكثر حدة، في ظل تباين متزايد بين البلدين بشأن ملفات إقليمية وأمنية، خصوصًا في ليبيا ومنطقة الساحل، وسط تنافس على النفوذ في محيط تعتبره الجزائر امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي.
وفي هذا السياق تطرق موقع «سياسي واستراتيجي» (منصة تحليل ومتابعة سياسية/أمنية واستراتيجية،) إلى هذا الخلاف في تقرير حول أسبابه وخلفياته، قائلا إن قرار الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات لم يكن مفاجئًا، بل جاء في سياق خلافات جيوسياسية تراكمت وتصاعدت خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا بشأن النفوذ والأمن في المحيط الجنوبي للجزائر.
ويستند الموقع في قراءته إلى عدة مصادر، من بينها صحيفة «لوموند» الفرنسية، مشيرًا إلى أن الإمارات ظلت خلال السنوات الماضية هدفًا لانتقادات متكررة في الصحافة الجزائرية، ولا سيما على خلفية مواقفها وتحركاتها الإقليمية.
وبحسب التقرير، يتمحور الخلاف الجزائري الإماراتي حول التنافس على النفوذ في مناطق تعتبرها الجزائر جزءًا من مجالها الأمني المباشر، خاصة ليبيا ودول الساحل. وترى الجزائر، وفق هذا الطرح، أن توسع الحضور الإماراتي ودعم أبوظبي لقوى سياسية وعسكرية في هذه المناطق يحد من نفوذها التقليدي ويزيد الضغوط على حدودها الجنوبية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنظر إلى امتداد الحدود الجزائرية مع دول المنطقة؛ إذ تشترك الجزائر في حدود تمتد لنحو 1300 كيلومتر مع مالي، ونحو 950 كيلومترًا مع النيجر، ونحو 980 كيلومترًا مع ليبيا.
ولسنوات طويلة، اعتمدت الجزائر على الوساطة والعلاقات مع المجتمعات المحلية والقوى الفاعلة في هذه المناطق كإحدى أدوات إدارة الصراعات والحفاظ على نفوذها، إلى جانب العمل على منع انتقال تداعيات الأزمات الإقليمية إلى أراضيها.
ويشير التقرير إلى أن دخول أطراف خارجية على خط هذه الصراعات، ودعمها لقوى عسكرية وسياسية تعمل بصورة مستقلة عن الجزائر أو تتعارض مع مصالحها، يضعف قدرة الجزائر على التأثير في التطورات الجارية على امتداد حدودها الجنوبية.
ليبيا في قلب الخلاف
وتبرز ليبيا، بحسب «سياسي واستراتيجي»، باعتبارها المثال الأوضح على تمدد النفوذ الإماراتي في منطقة ترتبط مباشرة بحسابات الأمن القومي الجزائري.
ويشير التقرير إلى دعم الإمارات لخليفة حفتر في شرق ليبيا، معتبرًا أن تنامي نفوذ قواته في الجنوب الليبي يمثل مصدر قلق للجزائر، خصوصًا مع إعادة ترتيب شبكات النفوذ الجزائرية في المنطقة وتراجع حضورها لدى بعض مجموعات الطوارق، ومن بينها مجموعات «كل أجّر» القريبة من الحدود الليبية.
وفي المقابل، أصبحت شريحة واسعة من الطوارق في الجنوب الليبي تحت سلطة قوات حفتر، بما في ذلك عناصر جرى تجنيدها ضمن «اللواء 128» الذي ينشط في منطقة فزان جنوب غربي ليبيا.
ويرى الموقع أن هذا التحول يمثل، من المنظور الجزائري، تراجعًا للنفوذ التقليدي في بيئة حدودية شديدة الحساسية، لمصلحة قائد عسكري ترتبط به علاقات وثيقة مع الإمارات، وتنظر إليه الجزائر بقدر كبير من التحفظ.
ولا يقتصر النشاط الإماراتي، وفق التقرير، على ليبيا؛ إذ يشير إلى دعم أبوظبي لمحمد حمدان دقلو «حميدتي» في السودان، إلى جانب تقديم قرض بقيمة 460 مليون يورو إلى تشاد، فضلًا عن حضور متفاوت في مالي والنيجر وموريتانيا.
ويعتبر التقرير أن ما يثير القلق الجزائري هو تزامن هذه التحركات في عدة دول مترابطة جغرافيًا، بما يخلق، من وجهة النظر الجزائرية، بيئة إقليمية جديدة حول حدودها الجنوبية.
التقارب الإماراتي المغربي يزيد التوتر
ويضيف «سياسي واستراتيجي» أن التقارب الإماراتي المغربي يمثل عاملًا آخر في تعقيد العلاقات بين الجزائر وأبوظبي.
فالمغرب ينافس الجزائر على النفوذ في منطقة الساحل، وطور خلال السنوات الأخيرة علاقاته مع السلطات العسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، كما طرح في عام 2023 مبادرة لتوفير منفذ أطلسي للدول الساحلية، رغم أن المشروع لا يزال، بحسب التقرير، إلى حد كبير في إطار التصور النظري.
ومن وجهة النظر الجزائرية التي يعرضها التقرير، يمكن للنفوذ الإماراتي أن يخدم الرباط في هذا التنافس الإقليمي.
ويستشهد الموقع في هذا السياق بمقال نشرته صحيفة «لو سوار دالجيري» في ديسمبر 2023، اتهمت فيه الإمارات بلعب دور يتعارض مع المصالح الجزائرية ويصب في مصلحة المغرب.
العامل الإسرائيلي
ويشير التقرير كذلك إلى البعد الإسرائيلي في الحسابات الجزائرية، خصوصًا بعد تطبيع المغرب علاقاته مع إسرائيل أواخر عام 2020، وهو ما أدى إلى زيادة حدة التوتر بين الجزائر والرباط.
وبحسب التقرير، ربطت الصحافة الجزائرية بين التحركات الإماراتية في المنطقة وبين خدمة مصالح إسرائيلية، في ظل العلاقات الوثيقة التي تربط أبوظبي والرباط باتفاقيات إبراهام.
وبذلك، تنظر الجزائر، وفق هذه القراءة، إلى التوسع الإماراتي باعتباره جزءًا من اصطفاف إقليمي يضم أطرافًا ترى فيها مصادر تهديد لمصالحها وأمنها القومي.
تراجع الدور الجزائري في الساحل
ومع ذلك، لا يعزو التقرير اتساع الدور الإماراتي إلى تحركات أبوظبي وحدها، بل يربطه أيضًا بالتغيرات التي شهدتها دول الساحل وسعي بعض أنظمتها إلى تقليص النفوذ الجزائري.
فبعد انسحاب القوات الفرنسية من عدد من دول المنطقة، لم تكتف الأنظمة العسكرية الجديدة برفض النفوذ الفرنسي، بل بدأت في بعض الحالات بتحدي الدور الجزائري أيضًا.
وكان إلغاء مالي اتفاق الجزائر للسلام الموقع عام 2015 أحد أبرز التطورات التي أضعفت إحدى أهم أدوات الحضور الدبلوماسي الجزائري في المنطقة.
وفي ظل هذا التحول، أصبحت الإمارات وتركيا والمغرب، بحسب التقرير، أكثر قدرة على بناء علاقات مع السلطات العسكرية في دول الساحل، التي تبحث عن شركاء وداعمين جدد في مرحلة ما بعد النفوذ الفرنسي.
الجزائر تعزز قدراتها العسكرية
في مواجهة هذه التطورات، كثفت الجزائر إجراءات تأمين حدودها، إلى جانب مساعيها لإعادة بناء علاقاتها الإقليمية.
ويشير التقرير إلى ارتفاع مخصصات الدفاع الجزائرية لعام 2025 إلى ما يعادل 23.8 مليار يورو، بزيادة تقارب ضعفين ونصف مقارنة بمستوى عام 2022، وبما يمثل نحو 20% من الميزانية الوطنية.
وبالتوازي مع تعزيز الإنفاق الدفاعي، عملت الجزائر على تحسين علاقاتها مع النيجر وموريتانيا، إلى جانب محاولة ترميم علاقاتها مع موسكو، في ظل استياء جزائري من الدعم الروسي لخليفة حفتر وللسلطات العسكرية في مالي.
ووفق قراءة «سياسي واستراتيجي»، فإن الخلاف بين الجزائر والإمارات يتجاوز مسألة العلاقات الثنائية، ليعكس صراعًا أوسع على النفوذ في فضاء يمتد من ليبيا إلى الساحل، حيث تتداخل الحسابات الأمنية والعسكرية مع التنافس المغربي الجزائري والتحالفات الإقليمية والدولية.
