in

الزيادة في المرتبات المموّلة بطباعة الدينار ليست زيادة.. إنها ضريبة

قضى جوزيف ستيغليتز عقودًا وهو يكرر نقطة واحدة ما زالت ليبيا تتجاهلها: المال هو مطالبة بناتج حقيقي. فإذا وزّعت الدولة مزيدًا من هذه المطالبات دون أن تنتج مزيدًا من السلع والخدمات، فلن يصبح أحد أكثر ثراءً. نفس إيرادات النفط، نفس الواردات، ونفس الرفوف في المتاجر، لكن مع مزيد من الدنانير التي تطاردها.

منذ أكثر من عشر سنوات، تبدو إجابة ليبيا على كل ضغط اجتماعي واحدة: ارفعوا مرتبات القطاع العام. والرسم البياني المرفق يكفي لإظهار النتيجة.

في عام 2012، بلغ الباب الأول، المخصص للمرتبات في الميزانية الليبية، 18.9 مليار دينار.

وفي عام 2025، ارتفع إلى 73.4 مليار دينار.

أي أن الدولة تدفع اليوم ما يقارب أربعة أضعاف ما كانت تدفعه قبل ثلاثة عشر عامًا. وعلى الورق، يبدو ذلك كأنه كرم غير مسبوق.

لكن انظروا إلى الأعمدة الحمراء.

في عام 2012، كانت تلك المرتبات تعادل 15.1 مليار دولار.

وفي عام 2025، أصبحت تعادل 13.2 مليار دولار فقط.

نعم، باب المرتبات اليوم أصغر بنحو 13% مما كان عليه في عام 2012، رغم أنه تضاعف أربع مرات تقريبًا بالدينار. وإذا أخذنا المرتبات الأساسية وحدها، فقد انخفضت من 12.4 مليار دولار إلى 10.9 مليار دولار.

لماذا الدولار هو المقياس الصحيح؟

لأن ليبيا تستورد جزءًا كبيرًا مما تستهلكه من الخارج: الغذاء، والدواء، والسيارات، ومواد البناء، والهواتف وغيرها. وفي النهاية، القيمة الحقيقية للمرتب تُقاس بما يستطيع شراءه من السلع والخدمات، لا بعدد الأوراق النقدية التي يحصل عليها الموظف.

فأين ذهبت الزيادة؟

ذهبت الدنانير الإضافية إلى السوق، وأسهمت في الضغط على سعر الصرف. ضعف الدينار من نحو 1.25 دينار للدولار إلى أكثر من 5.5 دنانير، وارتفعت أسعار الواردات، فيما امتص التضخم جانبًا كبيرًا من أثر الزيادة الاسمية، بل تجاوزها في بعض الحالات.

الدنانير الجديدة لم تخلق ثروة جديدة، بل أعادت تسعير الثروة القائمة.

والأسوأ أن الخسارة لم تُوزّع بالتساوي.

موظف الدولة حصل على الزيادة الاسمية على الأقل. أما العامل في القطاع الخاص، والمتقاعد، والتاجر الصغير، والأسرة التي تدّخر بالدينار، فلم يحصلوا بالضرورة على الزيادة نفسها؛ بل واجهوا ارتفاعًا في الأسعار وتراجعًا في القوة الشرائية لمدخراتهم ودخولهم.

التضخم ضريبة غير معلنة، وهو من أكثر الضرائب قسوة على أصحاب الدخول المحدودة، لأن قدرتهم على التحوّط منه أقل.

ثلاثة عشر عامًا من “الزيادات”، والنتيجة أن الدولة تدفع أربعة أضعاف تقريبًا، بينما لا يستطيع المواطن بالضرورة شراء أربعة أضعاف ما كان يشتريه في السابق.

هكذا تنتهي سياسة تُسوَّق على أنها كرم اجتماعي إلى إضعاف القوة الشرائية للمجتمع الذي يُفترض أنها تخدمه.

الزيادة الوحيدة القابلة للاستمرار هي التي يحققها اقتصاد أكبر وأكثر إنتاجية: ناتج أعلى لكل عامل، وقطاع خاص فاعل، واستثمارات تخلق طاقة إنتاجية حقيقية.

وإلى أن يرتبط نمو المرتبات بنمو الإنتاجية، ستبقى كل زيادة اسمية لا يقابلها نمو حقيقي في الإنتاج أشبه بقرض من القوة الشرائية للمواطن، يُسدَّد لاحقًا من جيبه، مع الفائدة.

What do you think?

0 نقاط
Upvote Downvote

الدين العام يتجاوز 300 مليار دينار، وإنفاق حكومتي الدبيبة وحماد في 2025 يتجاوز 269 مليارًا