تتزايد في ليبيا الدعوات إلى وقف تصدير الغاز الطبيعي إلى إيطاليا وتوجيه كامل الإنتاج لتغطية احتياجات محطات توليد الكهرباء المحلية، خاصة مع استمرار أزمة الكهرباء وتراجع إنتاج الغاز مقارنة بالطلب المحلي المتزايد. ويستند هذا الطرح إلى واقع يفرض نفسه، فالكميات التي تنتجها ليبيا اليوم لم تعد تكفي لتحقيق هدفين في آن واحد؛ الوفاء بالالتزامات التصديرية وتلبية احتياجات السوق المحلية.
ينبغي قراءة أوسع للتحولات التي شهدها قطاع الكهرباء العالمي خلال العقود الثلاثة الماضية، لأن القيمة الاستراتيجية للغاز الطبيعي لا تحددها ظروف ليبيا فقط، بل أيضاً الاتجاهات العالمية التي ستحدد مستقبل الطلب عليه وأسعاره وأهميته في مزيج الطاقة العالمي.
تكشف المقارنة بين مزيج مصادر توليد الكهرباء في عامي 1990 و2023 عن نتيجة لافتة. فعلى الرغم من كل ما شهدته العقود الماضية من تطور في تقنيات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لم يتجه العالم إلى نموذج موحد لتوليد الكهرباء يعتمد بصورة رئيسية على الطاقات المتجددة، بل اتجه إلى مسار مختلف يقوم على تنويع مصادر الطاقة وفقاً للظروف الاقتصادية والموارد الطبيعية ومتطلبات أمن الطاقة في كل منطقة.
فالشرق الأوسط عزز اعتماده على الغاز الطبيعي، إذ ارتفعت مساهمته في توليد الكهرباء من نحو 64% عام 1990 إلى نحو 77% عام 2023، بينما ارتفعت في مصر من نحو 40% إلى أكثر من 80%. أما ليبيا، فقد انتقلت خلال الفترة نفسها من الاعتماد الأساسي على النفط إلى الاعتماد الرئيسي على الغاز، فأصبح الغاز يوفر ما يقارب ثلاثة أرباع الكهرباء المنتجة، وهو تحول فرضته الكفاءة الاقتصادية الأعلى للغاز وانخفاض تكاليف تشغيل محطات الدورة المركبة مقارنة بمحطات الوقود السائل.
وفي المقابل، تكشف الأرقام أن أوروبا، التي تُقدَّم كثيراً باعتبارها النموذج الذي سيتجه إليه العالم، لا تعتمد في الواقع على الطاقات المتجددة وحدها. فما زالت الطاقة النووية تشكل أكثر من ربع الكهرباء المنتجة، وما زال الغاز والفحم يمثلان جزءاً مهماً من مزيج الكهرباء الأوروبي، إلى جانب الطاقة الكهرومائية والطاقات المتجددة. وهذا يعني أن التحول الأوروبي لم يكن استبدالاً كاملاً للوقود التقليدي، بل إعادة توزيع للأدوار بين مصادر متعددة لضمان استقرار الإمدادات الكهربائية.
كما أن التجربة الأوروبية نفسها لا يمكن تعميمها بسهولة. فأوروبا تمتلك إمكانات مالية وتقنية كبيرة مكنتها من تمويل استثمارات هائلة في الطاقة المتجددة وشبكات الكهرباء، كما أن الطلب على الكهرباء فيها ينمو بوتيرة محدودة نتيجة استقرار عدد السكان وارتفاع متوسط أعمارهم. وحتى في ظل هذه الظروف المواتية، لم تتمكن الطاقات المتجددة وحدها من أن تصبح المصدر المهيمن للكهرباء، وهو ما يجعل من الصعب افتراض أن بقية العالم ستسلك المسار نفسه بالسرعة ذاتها.
أما في الدول النامية، بل وحتى في أمريكا الشمالية، فما زال الفحم يحتفظ بمكانة رئيسية في توليد الكهرباء. ويعكس ذلك أن الاعتبارات الاقتصادية وأمن الإمدادات ما زالت تتقدم، في كثير من الأحيان، على الاعتبارات البيئية عندما يتعلق الأمر بتلبية الطلب المتزايد على الطاقة.
وتبقى الصين المثال الأكثر وضوحاً. فعلى الرغم من أنها أكبر مستثمر في العالم في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، فإن الفحم ما زال ينتج نحو ثلاثة أرباع الكهرباء فيها. ولا يعني ذلك فشل التحول نحو الطاقات المتجددة، وإنما يشير إلى أن هذا التحول قد يحتاج إلى فترة أطول بكثير مما كان متوقعاً، وربما تكون له حدود تفرضها اعتبارات اقتصادية وتكنولوجية وجغرافية تختلف من منطقة إلى أخرى. كما يبين أن الطاقات المتجددة أضيفت، في كثير من الحالات، لتلبية النمو المتسارع في الطلب على الكهرباء، أكثر من كونها بديلاً كاملاً لمصادر الطاقة التقليدية.
ومن الاتجاهات المهمة أيضاً أن مساهمة الطاقة الكهرومائية بقيت شبه ثابتة عالمياً طوال العقود الثلاثة الماضية، وهو ما يشير إلى أن هذا المصدر يقترب من حدوده الطبيعية بعد استغلال معظم المواقع الاقتصادية المناسبة لإنشاء السدود، إضافة إلى ارتفاع التكاليف البيئية والاجتماعية للمشروعات الجديدة. ومن ثم، فمن غير المتوقع أن يقود هذا المصدر الزيادة المستقبلية في إنتاج الكهرباء على المستوى العالمي.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو الغاز الطبيعي مرشحاً للاستمرار بوصفه أحد أهم مصادر توليد الكهرباء خلال العقود المقبلة، ليس لأنه الوقود الوحيد القادر على تلبية الطلب، وإنما لأنه يوفر توازناً بين الكفاءة الاقتصادية وانخفاض الانبعاثات والقدرة على توفير كهرباء مستقرة تدعم توسع استخدام الطاقات المتجددة.
لكن هذا لا يعني أن مستقبله سيكون خالياً من التحديات. فخلال السنوات المقبلة سيدخل إلى الأسواق العالمية إنتاج جديد من الغاز الطبيعي المسال، تقوده الولايات المتحدة وقطر وكندا ومنتجون آخرون، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة المعروض ويحد من الارتفاع الكبير في الأسعار الذي شهدته الأسواق بعد الأزمة الأوكرانية. وفي المقابل، سيستمر الطلب في النمو في آسيا وأفريقيا، الأمر الذي يجعل مستقبل الغاز أكثر ارتباطاً بتوازنات العرض والطلب العالمية، وأقل يقيناً مما كان عليه خلال السنوات الماضية.
وفي الوقت نفسه، فإن أهمية الغاز في مزيج الكهرباء العالمي قد تدفع الدول المستهلكة إلى تشديد المنافسة لتأمين إمداداته، سواء عبر العقود طويلة الأجل، أو الاستثمارات المباشرة في مناطق الإنتاج، أو توسيع نفوذها الجيوسياسي، تماماً كما حدث مع النفط خلال القرن الماضي. فالغاز لم يعد مجرد سلعة تجارية، بل أصبح أحد عناصر الأمن القومي والطاقة بالنسبة للعديد من الدول.
إذا انتقلنا بعد ذلك إلى ليبيا، فإن القضية لا تتمثل فقط في الاختيار بين التصدير والاستهلاك المحلي، وإنما في مراجعة الافتراضات التي بُنيت عليها سياسة تصدير الغاز منذ البداية.
فعندما تُبرم دولة ما عقوداً طويلة الأجل لتصدير الغاز، فإنها لا تبيع إنتاجها الحالي فحسب، بل تلتزم أيضاً بجزء من إنتاجها المستقبلي. ولذلك فإن نجاح مثل هذه العقود يعتمد على دقة تقدير عدد من المتغيرات الأساسية، أهمها الانحدار الطبيعي للحقول المنتجة، والقدرة على تطوير حقول جديدة لتعويض هذا الانخفاض، والنمو المتوقع في الطلب المحلي على الغاز.
وتكشف التجربة الليبية الحالية أن هذه الافتراضات لم تعد قائمة بالقدر الذي كانت عليه عند إبرام عقود التصدير. فقد ارتفع الطلب المحلي بصورة كبيرة، خاصة في قطاع الكهرباء، بينما لم ينمُ إنتاج الغاز بالمعدل الكافي لمواكبة هذا الطلب، وهو ما أدى إلى تضييق الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، وتحول الغاز من مورد يوفر فائضاً للتصدير إلى مورد تتنافس عليه الاستخدامات المختلفة داخل الاقتصاد الوطني.
ولا يقتصر تأثير هذا الوضع على قطاع الكهرباء فقط، بل يمتد أيضاً إلى الصناعات التي تعتمد على الغاز بوصفه مادة أولية أو مصدراً للطاقة، مثل صناعة الأسمدة والحديد والصلب والإسمنت وغيرها. ومع استمرار الضغوط على إنتاج الغاز، ستواجه هذه الصناعات تحديات متزايدة قد تحد من قدرتها على التوسع، أو حتى المحافظة على مستويات إنتاجها الحالية، بما ينعكس على القيمة المضافة وفرص العمل والتنويع الاقتصادي.
ومن هنا، فإن قيمة الغاز لا ينبغي أن تُقاس بسعر تصديره فقط، بل أيضاً بالقيمة الاقتصادية التي يحققها داخل الاقتصاد الوطني. فعندما يؤدي نقص الوقود إلى انقطاع الكهرباء، فإن الخسائر لا تقتصر على ساعات الإظلام، بل تمتد إلى توقف المصانع، وتعطل الأنشطة التجارية والخدمية، وزيادة الاعتماد على المولدات الخاصة مرتفعة التكلفة، وانخفاض الإنتاجية، وتراجع الاستثمار. وتشير بيانات استهلاك الكهرباء في ليبيا إلى أن القطاعات الصناعية والتجارية والخدمية تستهلك اليوم كهرباء أقل مما كانت تستهلكه خلال العقد الأول من الألفية، وهو مؤشر يعكس حجم الضرر الذي ألحقته أزمة الكهرباء بالنشاط الاقتصادي، ويؤكد أن تكلفة نقص الغاز قد تتجاوز بكثير العائد المباشر من تصدير جزء من إنتاجه.
ولا يعني ذلك أن تصدير الغاز كان قراراً خاطئاً في ذاته، ولا أن وقفه هو الحل الأمثل في جميع الأحوال، وإنما يعني أن السياسات الاستراتيجية لا بد أن تخضع للمراجعة عندما تتغير الفرضيات التي بُنيت عليها. فما كان ملائماً في ظل توقعات معينة للإنتاج والطلب قد لا يبقى ملائماً عندما تتغير تلك التوقعات بصورة جوهرية.
لقد أثبتت العقود الثلاثة الماضية أن العالم لم يتخل عن مصادر الطاقة التقليدية، بل أعاد توزيع أدوارها داخل مزيج أكثر تنوعاً. كما أثبتت أن الغاز الطبيعي سيظل، على الأرجح، أحد أهم ركائز توليد الكهرباء عالمياً خلال العقود المقبلة، حتى وإن أصبح سوقه أكثر تنافسية وتقلباً.
ومن هذا المنطلق، فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه ليبيا اليوم لا يقتصر على ما إذا كان ينبغي الاستمرار في تصدير الغاز أو وقفه، بل يمتد إلى سؤال أكثر أهمية: هل ما زالت الافتراضات التي بُنيت عليها سياسة تصدير الغاز قبل سنوات صالحة في ظل تراجع الإنتاج، وارتفاع الطلب المحلي، والتحولات العالمية في أسواق الطاقة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال، بعيداً عن الضغوط الآنية والانطباعات السياسية، هي التي ينبغي أن تشكل أساس أي مراجعة مستقبلية للسياسة الغازية الليبية، بما يحقق التوازن بين الالتزامات التعاقدية، وأمن الطاقة الوطني، وتعظيم القيمة الاقتصادية لهذا المورد الاستراتيجي للأجيال الحالية والقادمة.


