تتكرر في ليبيا الأزمات المرتبطة بالوقود والكهرباء والسيولة والأسعار وسعر الصرف، رغم امتلاك البلاد موارد نفطية وغازية كبيرة، ما يعيد طرح الأسئلة حول قدرة نموذج إدارة المال العام على تحويل هذه الموارد إلى استقرار اقتصادي وخدمات وإنتاج مستدام، بدل استمرار دورة الأزمات والاعتماد على الإنفاق الريعي.
وقال رجل الأعمال حسني بي، في تصريحات لشبكة «عين ليبيا»، إن الفكرة المركزية التي يجب الانطلاق منها هي أن ليبيا لا تعاني من ندرة الموارد بقدر ما تعاني من نموذج مالي واقتصادي تتصدر به الحكومة النشاط الاقتصادي، ويعيد إنتاج الأزمات.
وأوضح بي أن دولة تحقق من النفط والغاز تدفقات قد تتجاوز في بعض الفترات 120 مليون دولار يوميًا، ثم تعيش أزمات متكررة في الوقود والكهرباء والسيولة والأسعار وسعر الصرف، لا يمكن اعتبار ما يحدث فيها مجرد ظروف طارئة.
وأضاف: «عندما تتكرر الظواهر نفسها لعقود، فالمشكلة تصبح في السياسات والنموذج الاقتصادي التي تصنعها: تضخم الإنفاق الجاري، والمرتبات، ودعم الأسعار، محروقات وكهرباء، وسعر الصرف الإداري ثابت، وضعف تحويل الإنفاق العام إلى إنتاج وخدمات وأصول مستدامة، بدلًا من إنفاق استهلاكي غير مستدام».
وأشار إلى أنه يكرر دائمًا أن «الاقتصاد لا ينتظر السياسة»، موضحًا أن الحكومات قد تتأخر في الاتفاق، وقد تتأخر الانتخابات، لكن السوق تحدد السعر كل يوم، والتضخم يلتهم القوة الشرائية كلما تعدى الإنفاق العام الإيرادات، والتهريب يستجيب لفارق السعر فورًا، إن كانت فجوة دولار أو فجوة سعر محروقات.
وأكد أن انتظار الحل السياسي وحده لا يكفي، مشددًا على ضرورة معالجة مصادر الاختلال الاقتصادي نفسها، حيث إن الإيراد العام مركزي والإنفاق العام مركزي.
تكرار الأزمات لم يعد ظرفًا طارئًا
وفي رده على سؤال حول ما إذا كانت الأزمات المعيشية أصبحت نتيجة مباشرة لطريقة إدارة المال العام، قال بي: «نعم، في تقديري نحن تجاوزنا منذ سنوات فكرة أن ما يحدث مجرد أزمات طارئة ودورية. دولة تحقق من النفط والغاز تدفقات تتجاوز في بعض الفترات 120 مليون دولار يوميًا، ثم تعاني بصورة متكررة من أزمات كهرباء ووقود وسيولة وارتفاع أسعار، لا يمكن تفسير وضعها بندرة الموارد».
وبيّن أن المشكلة تكمن في النموذج المالي نفسه، والمتمثل في «إنفاق عام ضخم، وفاتورة مرتبات متضخمة، ودعم أسعار مفتوح للكهرباء والمحروقات، وسعر صرف إداري ثابت، وضعف في تحويل الإنفاق إلى إنتاج وخدمات وأصول مستدامة».
وتابع: «وعندما تتكرر النتيجة لعقود، لم تعد أزمة؛ أصبحت نتيجة طبيعية للنموذج الذي ينكره الكثيرون».
السعر الرسمي يصنع فجوة والسوق الموازية تستفيد
وحول أسباب تحول أي نقص في سلعة أساسية إلى سوق موازية ومضاربات، أرجع بي ذلك إلى أن «السعر الرسمي غالبًا لا يعكس الندرة والتكلفة الحقيقية».
وقال: «عندما تمنع السعر من التكيف، ولا توفر الكمية الكافية بالسعر الإداري، لا تختفي السوق؛ بل تنشأ فجوة سعرية وربح ريعي منها، تنتقل المواد خارج القنوات الرسمية لتغذي الفجوة».
وأضاف: «وهذا ما نراه في الدولار والوقود والكهرباء وغيرهما».
وأكد أن «السوق الموازية لا تُخلق لأنها غير قانونية؛ تنشأ لأن هناك طلبًا لم يجد عرضه بالسعر الرسمي المقرر»، مشيرًا إلى أن اتساع الفجوة السعرية بين السعر الإداري والسعر الحقيقي يؤدي إلى زيادة الريع والمضاربة والتهريب والسرقات والكسب الريعي.
السؤال ليس كم أنفقت الدولة.. بل ماذا بقي؟
ووصف بي الإنفاق الحكومي الكبير بأنه «أكبر مشاكل الاقتصاد الليبي ومشاكل أية دولة فاشلة بالعالم»، معتبرًا أن السؤال لم يعد: «كم أنفقت الدولة؟»، وإنما: «ماذا بقي بعد الإنفاق من أموال؟».
وتساءل: «هل زادت الكهرباء؟ هل تحسنت المياه والصحة والتعليم؟ هل ارتفعت الإنتاجية؟ هل توسع القطاع الخاص؟ هل ظهرت صادرات غير نفطية؟».
وأوضح أنه إذا «أنفقنا مئات المليارات وبقينا نحتاج في العام التالي إلى الإنفاق نفسه أو أكثر للحصول على الخدمات نفسها أو أسوأ، فهذا ليس استثمارًا؛ إنه استهلاك للثروة، وهذا الاستهلاك لا يمكن أن يكون مستدامًا».
النفط ليس المشكلة.. بل طريقة تحويل الريع
وفيما يتعلق باستمرار الاعتماد على النفط، قال بي إن «النفط ليس المشكلة في ذاته»، معتبرًا أن المشكلة تتمثل في أن «الريع النفطي، المتمثل في المكسب الريعي بدون إنتاج، يتحول عندنا بدرجة كبيرة إلى مرتبات ودعم واستهلاك وتهريب، بدلًا من أن يتحول إلى رأس مال وإنتاج».
وأوضح أن أسعار النفط قد ترتفع فتزداد الإيرادات، «لكن إذا ازداد معها الإنفاق والالتزامات، نكون قد رفعنا سقف المشكلة بدلًا من حلها».
وأكد أن النفط «يجب أن يمول الانتقال إلى اقتصاد يستطيع في المستقبل تمويل جزء متزايد من نفسه من الإنتاج والضرائب والاستثمار».
الانقسام السياسي ليس عذرًا اقتصاديًا كافيًا
وعن أسباب عدم بناء سياسة اقتصادية موحدة تضبط الإنفاق وتضع أولويات واضحة، قال بي إن «الانقسام السياسي عامل أساسي، لكنه ليس عذرًا اقتصاديًا كافيًا».
وأضاف: «نحن ننتظر السياسة منذ سنوات، لكن الاقتصاد لا ينتظر السياسة. الدولار لا ينتظر الانتخابات، والتضخم لا ينتظر الحكومة الموحدة، والتهريب لا ينتظر الاتفاق السياسي. كما أن الإيراد يذهب للخزانة العامة الموحدة والإنفاق يتم من مصرف مركزي موحد».
ورأى أنه يمكن، حتى في ظل الانقسام، وضع قواعد مالية لا ينبغي لأي جهة تجاوزها، تشمل «سقف إنفاق، وإفصاحًا موحدًا، ومنعًا تامًا لأية تمويل نقدي للعجز، وسجلًا موحدًا للالتزامات، وقواعد واضحة للدعم وسعر الصرف ومرونته».
المواطن يدفع الكلفة أكثر من مرتين
وحول ما إذا كان المواطن الليبي يدفع كلفة الانقسام والإنفاق العام مرتين، أجاب بي: «بل المواطن يدفع ربما أكثر من مرتين».
وأوضح أنه يدفعها «في ضعف الخدمات، ويدفعها في التضخم، ويدفعها في انخفاض قيمة الدينار، ويدفعها عندما تتحول موارد الدولة إلى إنفاق مزدوج أو غير منتج».
وأضاف أن «الأخطر أنه يدفع أيضًا تكلفة الفرصة الضائعة: ما كان يمكن أن تتحول إليه هذه الموارد من تعليم وصحة وبنية تحتية وفرص عمل»، مختتمًا بالقول: «عمومًا المواطن يدفع جميع التكاليف».
الإصلاح يبدأ من الدولة لا من المواطن
وفي شأن الجهة التي يجب أن تتحمل كلفة الإصلاح، قال بي: «المواطن دومًا يدفع ثمن السياسات التي صنعتها الدولة، خاصة عندما ترفع الدول شعارًا كاذبًا “حماية المواطن”».
وشدد على أن ذلك «لا يعني استمرار السياسات الفاشلة باسم حماية المواطن»، موضحًا أن التغيير لا يتحقق «بدون إعادة هيكلة فاتورة دعم الطاقة والمحروقات أو تغيير سياسات السعر الإداري الثابت للعملة».
وفي ملف الدعم، أوضح: «أنا لا أدعو إلى إلغاء حق المواطن في الدعم؛ بل إلى استبدال دعم السلعة التي تتسبب في فجوات سعرية بدعم نقدي مباشر له، ومنها ندعم المواطن بدلًا من دعم السلعة».
وأضاف أن «الدولة تتحمل كلفة الانتقال أولًا ولا تتعدى شهر، ومنها المواطن يحصل على التعويض قبل أو بالتزامن مع تعديل السعر للمحروقات والطاقة».
وأكد أن «الريع وخلق فرص الاغتنام والهدر والتهريب والامتيازات الناتجة عن الفجوات السعرية، هي التي يجب أن تختفي»، معتبرًا أن «الإصلاح الحقيقي ينقل العبء من المواطن إلى التشوه نفسه».
تضخم الإنفاق العام هو المؤشر الأخطر
وعن المؤشر الأكثر خطورة على الاقتصاد الليبي، قال بي: «إذا اضطررت إلى اختيار مؤشر واحد فلن أختار التضخم أو الدولار منفردين. أختار تضخم الإنفاق العام مقارنة بقدرة الاقتصاد على خلق قيمة حقيقية».
وأوضح أن السبب هو أن «منه تتولد بقية المشكلات»، مضيفًا: «إذا أنفقت الدولة أكثر مما يستطيع الاقتصاد إنتاجه أو امتصاصه، تزداد السيولة والطلب على الدولار من أجل المضاربة، وتتسع الفجوات، ويرتفع التضخم، وتضعف الثقة».
ورأى أن «الدولار والتضخم والسوق الموازية في جانب كبير منها أجهزة قياس تكشف الاختلال، وليست أصل الاختلال كما يعتقد الكثيرون».
مفارقة الموارد والأزمات
وفي خلاصة حديثه، قال بي إن ليبيا تواجه «مفارقة يصعب تجاهلها»، تتمثل في أن «دولة تملك موردًا سياديًا يدر عشرات المليارات من الدولارات سنويًا، ومع ذلك تعيد إنتاج أزمات الوقود والكهرباء والأسعار والسيولة وسعر الصرف منذ عقود».
وأكد أن «هذا يعني أن المشكلة ليست في الموارد؛ بل في طريقة إدارتها».
وأضاف: «نريد مرتبات تتوسع باستمرار، ودعم أسعار مفتوحًا، ودولارًا بسعر إداري منخفض تحت شعار حماية المواطن، وإنفاقًا لا يرتبط دائمًا بالإنتاج، ثم نريد في الوقت نفسه دينارًا مستقرًا وأسعارًا منخفضة وميزان مدفوعات متوازنًا. هذه المعادلة لا تستقيم».
وختم بي بالقول: «الاقتصاد لا ينتظر السياسة ولا النوايا. كل سياسة لها نتيجة، وإذا أبقينا السياسات نفسها فستتكرر الأزمات نفسها، وربما بحدة أكبر».

