بعد نشر مقالي «سياسيو الصدفة يكررون الأخطاء نفسها»، الذي انتقدتُ فيه أداء رئيس المجلس الأعلى للدولة ومن معه، ردّ عليّ رئيس حزب الجبهة، السيد عبد الله الرفادي، بمقال ينتقد فيه حوار الصخيرات، عنوانه: «جرة قلم غيّرت مصير أمّة»، محاولًا اختزال الأزمة الليبية في اتفاق الصخيرات، وكأن ما أصاب ليبيا من انقسام واضطراب خلال السنوات اللاحقة كان نتيجة لذلك الاتفاق!
إنّ قراءته التي قدّمها في مقاله لا تستقيم مع الوقائع. فمن يريد محاكمة اتفاق الصخيرات، عليه أولًا أن يتذكر كيف كانت ليبيا قبل التوقيع على الاتفاق في 17 ديسمبر 2015:
انقسام سياسي ومؤسسي، وحكومتان متنافستان؛ واحدة في الشرق تمتلك الاعتراف الدولي والتمثيل الدبلوماسي، وأخرى في الغرب كسلطة أمر واقع، وصراع عسكري، وقصف جوي، أحيانًا بالبراميل المتفجرة، على طرابلس ومصراتة والزاوية، تنفذه قوات حفتر، وتدخلات خارجية مباشرة، فكل طرف مدعوم من دول معيّنة، وتدهور أمني واقتصادي، وسيطرة تامّة للتشكيلات المسلحة على مفاصل الدولة في طرابلس.
وأخطر ما في الأمر كان تعاظم خطر تنظيم داعش، الذي استفاد من الفوضى والانقسام، وأعلن سيطرته على مدينة سرت ذات الموقع الاستراتيجي، فهي تربط الشرق بالغرب والجنوب بالساحل الذي يربط ليبيا بأوروبا، ثم أصبح التنظيم يسعى للتمدد في مدن أخرى.
فهل كان اتفاق الصخيرات هو الذي صنع كل ذلك؟ أم أنه جاء لمحاولة إنقاذ الدولة من هذه الحالة؟
وماذا لو التزم الجميع باتفاق الصخيرات؟ وماذا لو استُكملت ترتيباته الأمنية، ووُحّدت المؤسسات، واستُكمل المسار الدستوري؟
وهناك عدة أسئلة أخرى أغفلها السيد عبد الله الرفادي، رئيس حزب الجبهة، منها:
ماذا سيكون مصير مدينة سرت لو استمر فيها الاحتلال الأجنبي؟ وما مصير بقية المدن التي امتدت إليها تفجيرات تنظيم داعش؟
لقد تجاهل السيد عبد الله الرفادي حقيقة أن المشكلة كانت في عودة الانقسام السياسي بمجرد زوال عامل الضغط الذي دفع المجتمع الدولي إلى إجبار الأطراف الليبية على ضرورة إنجاز اتفاق الصخيرات دون مماطلة.
فزال خطر سيطرة داعش على كامل مدن الغرب الليبي بفضل الشرعية التي خلقها الاتفاق السياسي، وتحت مظلتها تمكّن الرجال من قتال ذلك التنظيم بدعم دولي واضح ومباشر.
هناك فرق كبير بين النقد الموضوعي للاتفاق وبين تحميله مسؤولية كل ما حدث في ليبيا بعده.
لقد كنت أحد الموقّعين على الاتفاق، وأقبل نقده ومناقشة ما له وما عليه. ولكن قراءة التاريخ لا تكون بإعادة تفسير الماضي وفق نتائج السنوات اللاحقة، وإنما بالنظر إلى الظروف التي أُبرم فيها والبدائل التي كانت متاحة آنذاك.
لقد كان اتفاق الصخيرات، في لحظة من أخطر لحظات تاريخ ليبيا، محاولة لمنع سقوط الدولة بين مشروع الإرهاب ومشروع العسكرة؛ وقد كان الأول وسيلة لفرض الثاني. ففكرة الدول التي تزرع نواة تنظيم داعش هي أن يأتوا بمُنقذ، «دكتاتور»، ليحكم البلاد بحجة أنه هو من قضى على تنظيم داعش.
وهذا ما لم يتحقق؛ فقد انتهت داعش دون فرض الحكم العسكري على كامل التراب الليبي. ولكن المعترضين على اتفاق الصخيرات كانوا يقولون: «نحن عدونا حفتر وليس داعش!»، ويتفرجون عليها وهي تتمدد، وتصلها الأموال والدعم.
وبعد أكثر من عقد من الزمن، فإن السؤال الحقيقي ليس: من وقّع على اتفاق الصخيرات؟
بل: من عطّل استكمال تنفيذ ما تم الاتفاق عليه؟
فالتاريخ لا يُكتب بجرة قلم واحدة، ولا تتحمل وثيقة واحدة مسؤولية الوضع الليبي المعقّد.
ومن يريد أن ينتقد الاجتهادات والمحاولات السياسية التي كانت من أجل إنقاذ البلاد، فالأجدى أن يقدّم لليبيين بديلًا سياسيًا واضحًا وقابلًا للتنفيذ، بدل البحث عن شمّاعة تُعلّق عليها الإخفاقات والعجز.

