in

من أين جاء المال؟ وعلى حساب ماذا؟

حين تتحول ثروة المجتمع إلى أداة لإعادة إنتاج سلطة الأمر الواقع، ثم يُعاد تقديم جزء منها للمجتمع باعتباره منّة أو إنجازًا، تصبح التنمية نفسها جزءًا من خطاب السلطة.

ليبيا دولة مترامية الأطراف، وبالتالي فإن إقرار نظام لا مركزي فيها ليس بالضرورة أن يكون من خلال ثلاث ولايات، بل من أي آلية يتفق عليها الليبيون ضمن تسوية شاملة. أمر جيد للغاية، ومن شأنه أن يخلق باب التنافس في التنمية وفي الإعمار.

 

ولكن الحقيقة أن ما يجرى حاليا هو وجود سلطات أمر واقع تسيطر على المال بقوة السلاح وتحاول التسويق لمشاريعها السياسية من خلال مشاريع البنية التحتية على حساب معاناة الناس وانهيار كامل للطبقة الوسطى وانهيار كامل للخدمات وتآكل للدينار الليبي. ومن ثم فإن القول بأن ما يجري حاليا سواء في الشرق أو في الغرب هو إعمار، هذا يتنافى مع أبسط أساليب الإعمار التي تشرف عليها الدولة. لماذا؟

 

لأن هذا الإعمار غير واضح المعالم، سواء من حيث شفافية الصرف أو من حيث شفافية الحصول على الأموال العامة. أيضا التقارير الدولية تكشف الفساد الذي يستخدم في التسويق للمشاريع السياسية من خلال استثمارها في البناء التحتية سواء من خلال سرقة النفط أو تهريب الوقود . وهذا ليس بغريب طبعا، هناك دول مجاورة، كمصر مثلا، يسيطر فيها النظام العسكري حتى على الاستثمار، بل وصل الأمر به حتى إلى السيطرة على تجارة الخضروات.

ولكن ما الذي يقدمه هذا النوع من الأنظمة؟ يقدم كباري، عواصم إدارية، مدن إدارية، طرقات، ولكن لا يسلط الضوء أبدا على معاناة الطبقة الوسطى من الناس وانسحاقها ووصولها إلى درجة الفقر.

أيضا هو لا يعتبر إعمار بالمعنى الحقيقي، بل يعتبر تسويق لمشروع سياسي ما. الهيئة الهندسية للقوات المسلحة المصرية مثلا تسيطر على جميع الاستثمارات الموجودة في مصر تقريبا، وقوانين الاستثمار في مصر ترفع الضرائب وتقدم الاعفاءات عن الشركات التابعة لهذه الهيئة العسكرية، بحيث يصبح دخول شركات أخرى للاستثمار هو خسارة فادحة لها، على نحو يضمن سيطرة هذه الشركات على الاستثمار في مصر مكرها أخاك لا بطل، وهذا طبعا لا يؤدي إلى مظاهر دولة مدنية.

 

في ليبيا مثلا وتحديدا في الشرق الليبي لاحظنا مشاريع بنى تحتية ولكن لم نلاحظ أي وجه مدني، فأين حكومة حماد مثلا من تلك المشاريع التي تجري الآن؟ أين وزير التخطيط؟ أين مؤسسات الدولة المدنية التي تشرف على هذا الأمر وأين المؤسسات الرقابية ؟ غير موجودة بالمطلق، بل هي مشاريع تسويقية يقوم بها مشروع سياسي عسكري في محاولة لإظهار الوجه الناعم له، ومع ذلك لا يتم الحديث مطلقا لا عن معاناة الناس سواء من حيث الصحة، من حيث البنية التحتية، من حيث الخدمات، من حيث الوقود، من حيث الكهرباء، وطوابير البنزين، والدينار المتآكل الذي دفع بالكثير من الليبيين إلى التشرد اليوم.

 

هذه مسائل لا يتم التطرق إليها. أيضا المشروع العسكري في مصر كذلك، نفس النظام العسكري هناك لا يذكر أبدا معاناة المواطن المصري المسحوق والطبقة الوسطى المصرية التي اختفت تماما. وهذه ليست أساليب لإدارة الدول وضمانية استمرارها، بل هي مسمار في نعش الشعوب، ستؤدي عاجلا أو آجلا إلى انهيار في بنية الدولة نفسها.

What do you think?

0 نقاط
Upvote Downvote

رصد الجرائم: 17 إعدامًا و18 جثمانًا لمهاجرين ضمن أبرز انتهاكات أغسطس في ليبيا

الصحة: لدينا 350 ألف موظف بالقطاع 10‎%‎ منهم أطباء فحسب