in

من اعتصامات المعلمين إلى مرتبات ديوان المحاسبة والرقابة.. هل يملك الدبيبة تنفيذ الجدول الموحد؟

مع اتساع رقعة الاعتصامات والاحتجاجات المطلبية في عدد من القطاعات في البلاد، وعلى رأسها التعليم والصحة، يعود ملف المرتبات إلى واجهة المشهد من جديد، لكن هذه المرة من بوابة “الجدول الموحد”، الذي تحول إلى مطلب تتقاطع حوله مطالب قطاعات مختلفة، في ظل تفاوت كبير في الأجور وتباين الامتيازات بين مؤسسات الدولة.

 

المعلمون ليسوا وحدهم في دائرة المطالبة بإعادة النظر في منظومة المرتبات؛ فالنقابات العامة دفعت باتجاه إقرار جدول موحد يحقق قدرًا من العدالة بين العاملين في الدولة، بينما تتصاعد الضغوط على الحكومة لإنهاء ما تعتبره قطاعات واسعة تفاوتًا في الأجور لا يتناسب مع طبيعة الوظائف وتكاليف المعيشة.

 

الدبيبة يدخل على خط الأزمة

 

وفي خضم هذا الحراك، برز موقف رئيس حكومة الوحدة عبدالحميد الدبيبة خلال اجتماع جمع أعيانًا وحكماء من مصراتة والزاوية، إذ تحدث عن مرتبات العاملين في ديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية، معلنًا عزمه إعادة مرتباتهما إلى “الجدول الموحد”، في إشارة إلى رغبته في إنهاء الفوارق في مرتبات موظفي مؤسسات الدولة.

 

تصريح الدبيبة يكتسب أهمية خاصة لأنه يأتي في وقت يطالب فيه الشارع والنقابات بجدول موحد، لكنه في الوقت نفسه يفتح سؤالًا آخر يتعلق بحدود سلطة حكومة الدبيبة؛ فديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية مؤسستان مستقلتان وتتبعان السلطة التشريعية، وليستا من الجهات التابعة للحكومة التنفيذية.

 

وهنا تظهر المفارقة الأبرز في المشهد؛ فالدبيبة يتحدث عن إعادة مرتبات موظفي جهتين لا تتبعان حكومته إداريًا، ما يجعل تنفيذ التصريح أكثر تعقيدًا من مجرد إصدار قرار مالي من السلطة التنفيذية.

 

فالقضية هنا لا تتعلق فقط بمقدار الزيادة أو الخفض في المرتبات، وإنما بمن يملك قانونًا صلاحية تعديل منظومة أجور مؤسسات تتمتع بالاستقلال المالي والإداري.

 

شكشك يطالب أصلًا بجدول موحد

 

وفي الوقت الذي أعلن فيه الدبيبة رغبته في إعادة مرتبات موظفي هاتين الجهتين إلى الجدول الموحد، كان رئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك قد خاطب حكومة الدبيبة بشأن ملف المرتبات نفسه، داعيًا إلى إعداد جدول موحد للمرتبات لجميع القطاعات العامة الممولة من الخزانة، إلى جانب ضبط الإنفاق العام والحد من التوسع في فاتورة الأجور.

 

وبذلك، لا يبدو الخلاف متعلقًا بمبدأ توحيد المرتبات بقدر ما يتعلق بالصيغة التي سيُنفذ بها، والجهة التي تملك صلاحية إقرارها على المؤسسات المستقلة.

 

مخاطبة شكشك للدبيبة تضع ديوان المحاسبة داخل المعادلة من زاوية مختلفة؛ فالديوان، الذي يراقب الإنفاق العام، يحذر من تنامي فاتورة المرتبات ويدفع في اتجاه معالجة هيكل الأجور، بينما يطرح رئيس حكومة الوحدة تنفيذ جدول موحد يشمل جهات رقابية لا تتبع حكومته إداريًا.

 

وهنا تتقاطع أدوار الطرفين؛ حكومة الدبيبة تريد معالجة تفاوت المرتبات، بينما يطالب ديوان المحاسبة بضبط منظومة الأجور والإنفاق، لكن الوصول إلى صيغة نهائية يظل مرتبطًا بالإطار القانوني الذي يحكم المؤسسات المستقلة.

 

الشارع يريد قرارًا لا اجتماعًا جديدًا

 

وفي الخارج، تضغط الاعتصامات باتجاه نتيجة أسرع من قدرة اللجان والمؤسسات على إنجازها، فالمعلمون وغيرهم من العاملين في قطاعات الدولة يريدون أن تتحول الوعود المتعلقة بالعدالة في المرتبات إلى قرارات فعلية، في وقت باتت فيه قيمة المرتب مرتبطة مباشرة بارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية.

 

ومع استمرار الاعتصامات، يصبح هامش المناورة أمام الحكومة أكثر ضيقًا، إذ لم يعد ملف المرتبات مجرد قضية إدارية يمكن تأجيلها إلى حين الانتهاء من الدراسات والمراجعات، بل أصبح مطلبًا حاضرًا في الشارع وفي بيانات النقابات والقطاعات المحتجة.

 

الجدول الموحد.. عدالة أم عبء جديد؟

 

لكن توحيد المرتبات لا يعني بالضرورة مساواة جميع الموظفين في قيمة المرتب، إذ يفترض أن يراعي طبيعة الوظائف والمؤهلات والمسؤوليات والفوارق بين القطاعات.

 

وفي المقابل، فإن أي تعديل شامل للمرتبات سيعني زيادة محتملة في فاتورة الأجور، وهو ما يضع الحكومة أمام تحدي توفير مصادر تمويل مستدامة، خصوصًا في ظل التحذيرات المتكررة من ارتفاع الإنفاق العام.

 

ثلاثة ملفات في مواجهة واحدة

 

ومن هنا، فإن معركة “الجدول الموحد” لم تعد مجرد نقاش مالي حول قيمة المرتبات، بل أصبحت اختبارًا لقدرة الحكومة على التوفيق بين ثلاثة مسارات متشابكة: مطالب الشارع والنقابات، والقدرة المالية للدولة، والصلاحيات القانونية للمؤسسات المستقلة.

 

فالاستجابة لمطالب قطاع واحد قد تفتح الباب أمام مطالب قطاعات أخرى، بينما قد يؤدي توحيد شامل للأجور إلى إعادة رسم خريطة المرتبات في الدولة بأكملها.

 

هل يستطيع الدبيبة تنفيذ ما وعد به؟

 

ويبقى السؤال الأكثر حضورًا بعد تصريحات الدبيبة: هل تتحول هذه الوعود إلى جدول موحد نافذ يشمل جميع القطاعات، أم أن استقلال ديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية سيجعل تنفيذ ما أعلنه الدبيبة بحاجة إلى توافق وإجراءات تتجاوز حدود السلطة التنفيذية؟

 

واللافت أن ديوان المحاسبة سبق أن طالب الحكومة نفسها بمعالجة ملف المرتبات وإعداد جدول موحد، ما يعني أن الخلاف المحتمل ليس حول الحاجة إلى الإصلاح، وإنما حول من يملك القرار، وكيف يُنفذ، وعلى أي أساس قانوني ومالي.

 

وبين ضغط الشارع، ومطالبة شكشك بجدول موحد، وتصريحات الدبيبة بشأن مرتبات الرقابة وديوان المحاسبة، يبدو أن ملف جدول المرتبات الموحد دخل مرحلة اختبار حقيقية، هل يتحول أخيرًا من مطلب متكرر إلى سياسة مالية نافذة، أم يبقى عنوانًا جديدًا لجولة أخرى من الاعتصامات والوعود؟إذا أردت، يمكنني أيضًا إجراء تدقيق صحفي أسلوبي للنص مع الحفاظ على مضمونه، دون تغيير المعلومات.

What do you think?

0 نقاط
Upvote Downvote

الشريف: زيادة المرتبات قد ترفع بند الأجور إلى 65% من الموازنة والقوة الشرائية للمرتب قد تتراجع