صحيح أن لدينا أعدادًا كبيرة من الأطباء حديثي التخرج، وهذه حقيقة نفخر بها.
لكن الحقيقة التي يجب أن نملك شجاعة الاعتراف بها أيضًا، أن الطبيب حديث التخرج، مهما كان متفوقًا، لا يتخرج من كلية الطب وهو طبيب مكتمل الأدوات المهنية؛ فهو يمتلك معرفة نظرية، لكنه يحتاج إلى تدريب تحت الإشراف، وتدرج في تحمّل المسؤولية، حتى تتحول دراسته النظرية إلى ممارسة آمنة.
أما أن نلقي به في أتون الممارسة المهنية، فهذه جناية في حقه قبل أن تكون انتقاصًا من قدره.
نحن نحتاج إلى أن نبني الطبيب الليبي، لا أن نستخدمه كحجة ونضعه في مقارنة مع الخبير الأجنبي الحقيقي.
مع وجوب أن يكون المستجلب خبيرًا حقيقيًا، فلا يكفي فقط مراجعة سيرته الذاتية عن طريق لجان استجلاب مكوّنة من إداريين ومنتفعين، أو أن يكون اختيارهم مجرد صفقة سياسية ومحاباة لدولة ما، وتعميقًا لأواصر العلاقات بين البلدين.
لأن المجاملة في هذا الملف ليست مجاملة عابرة، بل خيانة وطنية مكتملة الأركان:
إهدار المال العام + أذى للمريض الليبي + تدريب مغلوط للطبيب الوطني.
دون أن ننكر أن تدريب الأطباء في المستشفيات المحلية يقترب من الموت السريري منذ مدة، ولنا القرار: إما أن نعلن عن وفاته، أو القيام بمحاولات إنعاش حقيقية لإحيائه، بدلًا من تلك الاجتماعات العقيمة المتكررة التي لا ينتج عنها إلا فقرتان ثابتتان في كل محاضرها:
نؤكد على أهمية عقد مثل هذه الاجتماعات، والدعوة لاجتماع جديد.
ويستمر تدوير الخطط والكلمات…
فنحن نريد مراكز تدريب حقيقية، لا كيانات وهمية تخنق المتدربين وتستخدمهم كعمالة رخيصة، يقبلون بها كي لا تضيع فرصة تسجيلهم بالبورد وخلافه.
أو ليس أمامهم إلا خيار العمل في مستشفيات قروية دون إشراف، ولا متابعة، ولا تدريب، ولا حماية، لكن بمرتب ودون ضغوط كبيرة!
إذن، ما نحتاجه هو بيئة تعليمية عادلة، لا انتقائية في إبعاد متدرب وتقريب آخر بمعايير غامضة وغير عادلة.
الطبيب المقيم ليس موظفًا لسد العجز، بل أمانة ومستقبل مهنة. ومن يقتل طموحه بالمحسوبية والظلم، لا يظلم طبيبًا واحدًا فقط، بل يضعف طبيب الغد ويعرّض مريض الغد للخطر.
والأكثر قسوة أن تتحول حاجته الطبيعية إلى الوظيفة والمرتب إلى أداة ضغط عليه، وسوط يجلده ويدفعه إلى قبول مسؤوليات قد لا يكون مستعدًا لها مهنيًا.
وهذا ليس تمكينًا للطبيب الشاب، بل تحميله ثمن خلل المنظومة كاملة.
الشجاعة ليست في أن نقول: «لدينا أطباء كثيرون، إذن لا نحتاج أحدًا».
الشجاعة أن نقول:
– لدينا أطباء شباب يحتاجون إلى أن ندربهم ونحتضنهم.
– ولدينا خبرات حقيقية لا نملكها، ويجب أن نستقدمها بعناية.
– والأهم أن نعلن أنه لا تعارض بينهما، وأن مسؤوليتنا أن نفعل الأمرين معًا.


