قال الباحث الأول في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمعهد “تشاتام هاوس” البريطاني، تيم إيتون، إن التحقيقات الأخيرة في ملفي الوقود والأدوية تكشف أن الأزمة الليبية لم تعد تقتصر على الانقسام السياسي، بل تعكس اختلالات هيكلية في إدارة الموارد العامة، ما يجعل أي تسوية سياسية غير كافية ما لم تُرفق بإصلاحات مؤسسية شاملة تعيد بناء منظومة الحوكمة.
وأوضح إيتون، في مقال نشره المعهد البريطاني، أن ملف الوقود تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز مظاهر الفساد والهدر المالي، مشيرًا إلى أن التغييرات التي شهدتها المؤسسة الوطنية للنفط عام 2022، عقب تفاهمات بين معسكري خليفة حفتر وعبدالحميد الدبيبة، أعقبها توسع كبير في عمليات استيراد الوقود.
وأضاف أن ليبيا، رغم كونها دولة منتجة للنفط، تعاني محدودية في قدراتها على تكرير الخام، ما يفرض عليها استيراد كميات كبيرة من الوقود لتلبية احتياجات السوق المحلية، في وقت تواصل فيه الدولة بيع الوقود بأسعار مدعومة، الأمر الذي رفع فاتورة الدعم إلى مستويات غير مسبوقة.
وأشار إلى أن قيمة واردات الوقود تجاوزت 9 مليارات دولار بحلول عام 2024، بما يعادل نحو 1200 دولار للفرد، فيما تضاعف حجم الواردات بأكثر من مرتين مقارنة بعام 2021، وهي زيادة لا تتناسب مع معدلات الاستهلاك الفعلية أو نمو الطلب المحلي.
ورأى أن هذه الأرقام تكشف خللًا عميقًا في إدارة قطاع الوقود، إذ لا يستند تقدير الاحتياجات إلى أسس فنية أو علمية واضحة، وإنما يعتمد على طلبات متزايدة من جهات حكومية لا تتحمل، في كثير من الأحيان، التكلفة الفعلية للكميات التي تطلبها.
ولفت إلى أن التحقيقات رصدت ارتفاعًا استثنائيًا في استهلاك بعض الجهات الحكومية، إذ زادت كميات الديزل المخصصة لتشكيلات مسلحة تابعة للدولة بأكثر من 1500% خلال ثلاث سنوات، بينما ارتفع استهلاك إحدى محطات الكهرباء في جنوب طرابلس بأكثر من 1300% خلال الفترة نفسها، ما يثير تساؤلات حول المصير الحقيقي لهذه الكميات.
واعتبر إيتون أن هذه المؤشرات تعزز فرضية تسرب جزء كبير من الوقود المدعوم إلى السوق السوداء أو تهريبه إلى خارج البلاد، بما يحقق أرباحًا ضخمة لشبكات تستفيد من استمرار الفوضى وضعف الرقابة على السلع المدعومة.
وأشار إلى أن المستفيدين من هذه المنظومة لا يقتصرون على أطراف داخل ليبيا، بل يشملون أيضًا شركات أجنبية تعمل في توريد الوقود، موضحًا أن عدد الشركات الموردة تراجع من 17 شركة عام 2021 إلى 6 شركات فقط في عام 2024، وهو ما أثار مخاوف بشأن تراجع المنافسة وارتفاع احتمالات الاحتكار.
وأضاف أن عددًا من هذه الشركات حديث التأسيس، في وقت أصبحت فيه أسعار استيراد الوقود أقل تنافسية بصورة متزايدة، إذ ارتفعت تكلفة شراء الديزل، إلى جانب التأمين والشحن، بنحو 450%، ما تسبب، بحسب تقديرات التحقيقات، في خسائر تقارب 600 مليون دولار خلال عام 2024 وحده.
وفي ملف الأدوية، أوضح إيتون أن التحقيقات كشفت نمطًا مشابهًا من القصور المؤسسي، في ظل غياب منظومة وطنية متكاملة لتنظيم عمليات شراء الأدوية أو تحديد الاحتياجات الفعلية للقطاع الصحي، بينما تعتمد تقديرات الكميات المطلوبة على آليات غير دقيقة، ما يفتح الباب أمام التوسع في الإنفاق دون ضوابط فعالة أو معايير واضحة.
وبحسب إيتون، أظهرت التحقيقات أن نظام تسجيل شركات الأدوية يعاني اختلالات كبيرة، إذ تمكن عدد محدود من الشركات من توسيع حصته السوقية وتحقيق أرباح كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وسط مؤشرات على ارتباط بعضها بمسؤولين حكوميين وأعضاء في مجلس النواب.
وأكد إيتون أن نتائج التحقيقات في قطاعي الوقود والأدوية تعكس أزمة حوكمة عميقة داخل مؤسسات الدولة الليبية، مشددًا على أن معالجة هذه الاختلالات تتطلب إصلاحات مؤسسية ورقابية شاملة، وليس مجرد إعادة ترتيب موازين السلطة بين الأطراف السياسية المتنافسة، لأن استمرار شبكات المصالح الاقتصادية سيُبقي عوامل عدم الاستقرار قائمة، حتى في حال التوصل إلى اتفاق سياسي جديد.


