مع دخول العام الدراسي الجديد أسبوعه الثالث، لا تزال المدارس مغلقة في ظل استمرار الاعتصام والإضراب، بعدما بدأ المعلمون اعتصامًا لمدة 15 يومًا بالتزامن مع انطلاق الدراسة في 13 سبتمبر، قبل أن ينتقل الحراك إلى إعلان الإضراب العام في المؤسسات التعليمية اعتبارًا من الأحد 27 سبتمبر.
ودخلت الأزمة مرحلة جديدة مع استمرار إضراب المعلمين وتصاعد الخلاف بين الحكومة والنقابات حول آلية معالجة المطالب، في وقت تحاول فيه الحكومة الدفع بملفات محددة، بينها التأمين الصحي والفروقات المالية، بينما يتمسك حراك المعلمين بضرورة التعامل مع كامل المطالب دفعة واحدة، وبقرارات تنفيذية واضحة لا تقتصر على الوعود أو تشكيل اللجان.
من الاعتصام إلى الإضراب العام
بدأت النقابات وحراكات المعلمين تحركها مع انطلاق العام الدراسي، ومطالبة الحكومة باتخاذ خطوات عملية لمعالجة أوضاعهم المالية والوظيفية والمهنية.
وشملت المطالب، جدول مرتبات عادل وموحد إسوة بالقطاعات التي تحصلت على زيادة عالية في المرتبات وتسوية الفروقات والمستحقات المالية، وتحسين التأمين الصحي، ورفع قيمة علاوة الحصة، ومعالجة علاوات مديري المدارس والإدارات، إلى جانب إصدار قانون لحماية المعلم.
وبانتهاء المهلة، وعدم الوصول إلى إجراءات تنفيذية يعتبرها المعلمون كافية، تصاعد التحرك إلى إضراب عام يشمل المؤسسات التعليمية في مختلف أنحاء ليبيا.
وفي 26 سبتمبر، جددت النقابة العامة للمعلمين رفضها رفع الاعتصام عقب اجتماع مع ممثل عن الحكومة، موضحة أن ممثل الحكومة طلب رفع الاعتصام إلى حين البدء في تنفيذ المطالب، بينما اشترط ممثلو النقابات صدور قرارات رسمية والبدء الفعلي في تنفيذها قبل إنهاء التحرك.
أمر بفتح المدارس
وفي قرار جديد وجّه وزير التربية والتعليم محمد عبد السلام القريو اليوم كتابًا إلى مراقبي التربية والتعليم بالبلديات، طالبهم فيه بالشروع الفوري في فتح المدارس واستقبال التلاميذ، مؤكدًا حرص الوزارة على حق الطلبة في التعليم، وعلى معالجة مطالب المعلمين بالتنسيق مع حكومة الوحدة الوطنية.
قرارت أحادية
ورد حراك ونقابات المعلمين على التعميم الصادر عن الوزير بالرفض، قائلا إن الوزير تجاهل مطالب المعلمين وحقوقهم، واكتفي بوعود سمعوها لسنوات دون معالجة حقيقية وملموسة لملف الحقوق، حسب بيان لهم.
وأكد الحراك أن معالجة حقوق المعلمين لا تكون بالقرارات الأحادية أو بالضغط على المراقبات، ولا بتحويلها إلى طرف في مواجهة مع المعلمين ونقاباتهم.
وتابع أن المراقبات ليست طرفًا في تقرير إنهاء الحراك، وأن موقف المعلمين ونقاباتهم هو الأساس في استمرار الإضراب أو إنهائه، وفق ما يقرره الحراك النقابي.
وشدد أنهم لن يتراجعوا أمام قرارات لا تستند إلى حلول واضحة وضمانات عملية لتنفيذ مطالب المعلمين، مؤكدا أن الإضراب مستمر حتى انتزاع حقوقهم، وفق البيان.
اجتماعات حكومية
رئاسة الوزراء بحكومة الوحدة طلبت من وزارة التربية والتعليم حصر المعلمين وموظفي قطاع التعليم ووضع آلية لمنحهم تأمينًا طبيًا بالتنسيق مع صندوق التأمين الصحي العام، إلى جانب حصر الفروقات المالية بالتنسيق مع وزارة المالية ووضع آلية لمعالجتها.
كما عقد اجتماع حكومي لمناقشة آلية تنفيذ برنامج التأمين الصحي لموظفي قطاعي الصحة والتعليم، بحضور وزيري التربية والتعليم والصحة وعدد من المسؤولين.
لكن هذه التحركات، رغم ارتباطها المباشر بمطلبين أساسيين للمعلمين، لا تغطي جميع الملفات التي يطرحها الحراك، وهو ما يفسر استمرار الخلاف حول مدى كفاية الخطوات الحكومية لوقف الإضراب.
تحرك تشريعي لدعم مطالب المعلمين
ولم يبق الملف محصورًا بين الحكومة والنقابات، إذ دخلت كتلة التوافق الوطني بالمجلس الأعلى للدولة على خط الأزمة، عقب اجتماعها مع ممثلين عن النقابة العامة للمعلمين.
ووجهت الكتلة مراسلة لرئاسة مجلس النواب والدولة بشأن مطالب المعلمين، داعية إلى إدراجها ضمن أولويات العمل المؤسسي والتشريعي، ومن بينها اعتماد جدول موحد للمرتبات والإسراع بإصدار قانون لحماية المعلم.
كما تناولت تحركات الكتلة ملفات أخرى مرتبطة بمطالب المعلمين، بينها التأمين الصحي والفروقات المالية ومرتبات المتعاقدين والعلاوات الخاصة بمديري المدارس والإدارات وتنفيذ الاستراتيجية التعليمية.
ويأتي ذلك في وقت كان مجلس النواب قد أعلن في وقت سابق، تشكيل لجنة من المختصين والخبراء وأساتذة الجامعات لدراسة مقترح جدول المرتبات الموحد لموظفي الدولة.
قرار حرس المنشآت يزيد حساسية ملف المرتبات
وفي خضم هذا الحراك، أصدر رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة القرار رقم 454 لسنة 2026، القاضي بسريان الأحكام المنظمة لمرتبات منتسبي الجيش الليبي على مرتبات منتسبي جهاز حرس المنشآت النفطية، وذلك اعتبارًا من 22 سبتمبر.
وجاء القرار بالتزامن مع تحركات لمنتسبي حرس المنشآت النفطية، بينها إغلاق مجموعة منهم مجمع الزاوية النفطي، بحسب تقارير صحفية نقلت عن المؤسسة الوطنية للنفط.
وقد أعاد القرار إلى الواجهة مسألة تفاوت المرتبات بين القطاعات، وهي إحدى النقاط المركزية في مطالب المعلمين المتعلقة بالعدالة في الأجور واعتماد جدول موحد.
ومن منظور الحراك، فإن أي معالجة لملفات المرتبات خارج إطار شامل قد تعزز المطالبة بمعالجة وضع المعلمين ضمن منظومة موحدة، بدلًا من معالجة كل قطاع بصورة منفصلة.
بين الوعود والتنفيذ
بعد نحو أسبوعين من بدء العام الدراسي، انتقلت أزمة التعليم من اعتصام محدود زمنيًا إلى إضراب عام، فيما تتزايد التحركات الحكومية والتشريعية لمحاولة احتواء الأزمة.
وتبدو العقدة الرئيسية في الخلاف مرتبطة بالفارق بين الإعلان عن إجراءات لمعالجة المطالب وبدء تنفيذها فعليًا.
فالحكومة تتحرك في ملفات التأمين الصحي والفروقات المالية، ووزارة التربية والتعليم تدعو إلى استئناف الدراسة، بينما تؤكد النقابة أن إنهاء الاعتصام يتطلب قرارات رسمية وبدءًا فعليًا في التنفيذ، وليس مجرد تعهدات مستقبلية.
وفي المقابل، فإن استمرار إغلاق المدارس مع دخول العام الدراسي أسبوعه الثالث يضع الطلبة وأولياء الأمور والقطاع التعليمي أمام كلفة متزايدة، ويجعل الوصول إلى صيغة توافقية أكثر إلحاحًا.
فهل تنجح الحكومة في إنهاء الأزمة؟


