in

الاقتصاد الليبي.. اقتصاد التناقضات والغموض نتيجة لغياب الرؤية والنموذج

هذه التناقضات (Paradox) تتجسد في مختلف الظواهر الاقتصادية والإجراءات والأحداث التي نشهدها اليوم، ومعطيات الواقع التي يفترض أن وجود بعضها ينفي وجود البعض الآخر. إنها ظواهر وأحداث وإجراءات متناقضة تحدث وتعيشها مختلف قطاعات ومؤسسات الدولة، وتمتد أيضًا إلى القطاع الخاص، وتشكل في مجملها الصورة المرتبكة للمشهد العام.

يأتي التناقض من خلال عدم التوافق بين الواقع وما يمليه هذا الواقع من استحقاقات وما يتطلبه من حرص، وبين ما تنحو إليه مختلف المؤسسات، وما تتخذه من إجراءات، وما تعمل في ظله، وما يحدث في إطار التعامل مع هذا الواقع، بما في ذلك ما تطبقه مختلف الجهات من سياسات في مواجهة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية، وما يُغض الطرف عنه ويتم تجاهله من وقائع ما كان ينبغي السكوت عنها، وحالة الانقسام التي تعاني منها الدولة.

كما أن الأرقام التي تعلن عنها بعض المؤسسات المالية تؤكد وجود هذه التناقضات؛ فعندما تأتي النتائج المرجوة اقتصاديًا عكس ما يمكن أن تحققه المدخلات في سياق الإدارة الاقتصادية في ليبيا، وعندما يُتوقع تحقيق نتائج إيجابية، أو معالجة مشكلات قائمة، أو معالجة بعض التشوهات من خلال تطبيق سياسات وإجراءات خاطئة أو غير مناسبة، بقصد أو بدون قصد، ويتحقق العكس، فإن ذلك يعكس خللًا واضحًا في إدارة الاقتصاد.

بمعنى آخر، إن النظام الاقتصادي المتبع، أو «اللانظام»، يحفز الأفراد الطبيعيين والمعنويين على ممارسة نشاطات تمثل تشوهات، وبعضها يمثل جرائم، عندما يجدونها أكثر ربحية من أي نشاط إنتاجي مشروع.

أي أن البيانات أو المدخلات السيئة أو الخاطئة تؤدي حتمًا إلى نتائج سيئة أو خاطئة، ومع ذلك لا يتم التوقف عندها ومراجعة الموقف.

ومن بين هذه التناقضات والمفارقات يمكن أن نورد ما يلي:

1. إغلاق حقول النفط رغم الحاجة إلى زيادة الإنتاج

حرس المنشآت النفطية يقوم بإغلاق بعض حقول النفط، رغم أن مهمته الرئيسية هي المحافظة على استمراريتها ومنع الأعمال التي من شأنها إيقاف نشاطاتها، مما يؤدي إلى انخفاض الإنتاج وتدني معدلات التصدير، في وقت ترتفع فيه أسعار النفط العالمية، والنفط هو المورد الوحيد للدخل.

ويحدث ذلك في الوقت الذي تعمل فيه معظم الدول النفطية على الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط، خصوصًا في أوقات الأزمات، لتعظيم مداخيلها. أما في ليبيا، فيتم تعطيل إنتاج النفط عمدًا، وفي توقيت غير مناسب للمطالبة بالحقوق.

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها إغلاق وعرقلة إنتاج النفط وتخفيضه بالتزامن مع ارتفاع كبير في أسعار النفط العالمية؛ فقد حدث الفعل نفسه إبان اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية.

ويحدث هذا في اقتصاد وصل فيه الدين العام إلى أكثر من 300 مليار، ويعاني من عجز في إيرادات الميزانية من وقت لآخر، وعجز في ميزان النقد الأجنبي.

2. التوسع في استخدام العمالة الأجنبية

التوسع الملحوظ في استخدام العمالة الأجنبية بمختلف الشركات، في غياب الضوابط الملزمة التي تفرضها الحكومة بصفتها جهة رقابية، لشغل مختلف الوظائف، مثل المحاسبين ومديري المبيعات والفنيين وموظفي الاستقبال بالمصحات، خصوصًا لدى شركات القطاع الخاص.

ويأتي هذا التشغيل المنظم، علاوة على استخدام العمالة الأجنبية المصاحبة للهجرة غير الشرعية في القطاع غير الرسمي، التي تجاوزت أعدادها مليوني عامل وأكثر من 80% من حجم القوى العاملة في ليبيا، في اقتصاد يصل فيه معدل البطالة بين الشباب الليبيين والباحثين عن العمل إلى أكثر من 20%.

أليس من الأولى إتاحة الفرصة وفتح المجال أمام العنصر الوطني؟ ومع ذلك، تستمر الحكومة في تطبيق سياسات استخدام ومرتبات وأجور في القطاع العام لا يستطيع القطاع الخاص منافستها.

3. تراجع إيرادات شركات الاتصالات العامة

تنخفض إيرادات شركات الاتصالات العامة الموردة للخزانة خلال الأشهر الثمانية من هذا العام (2026) بنسبة 91% مقارنة بعام 2023، رغم أنها تحتكر السوق، ورغم أن الطلب على خدماتها في تنامٍ مستمر.

وإذا كانت إيرادات هذا القطاع خلال الفترة 2017-2022 تُقدّر بأربعة مليارات دينار، فكيف تكون إيرادات هذا القطاع خلال ثمانية أشهر 31 مليون دينار فقط؟

4. إنشاء محطات جديدة لتوليد الكهرباء

تعمل الحكومة على إنشاء محطات جديدة لتوليد الكهرباء، أو التعاقد عليها، وتطلب رصد أموال طائلة، في الوقت الذي لم تُستنفد فيه محطات الكهرباء القائمة حاليًا كامل طاقاتها الإنتاجية.

حيث تُقدّر القدرة الإنتاجية المتاحة للشبكة بـ8,000 ميغاواط، بينما يتراوح الإنتاج الفعلي المستغل الذي يجري توزيعه بين 6,000 و7,000 ميغاواط.

أليس من الأولى تشغيل المحطات القائمة تشغيلًا كاملًا والاستفادة من الطاقات المعطلة بها، بدلًا من السعي لإنشاء محطات جديدة بتكاليف مضاعفة؟

5. ضخ المزيد من النقد الأجنبي

كلما أعلن مصرف ليبيا المركزي بيع كميات أكبر من النقد الأجنبي لمختلف الأغراض، نجد سعر النقد الأجنبي في السوق السوداء يرتفع، في مفارقة تتمثل في أن زيادة العرض تؤدي إلى ارتفاع السعر، وتتسع فجوة السعر.

ألم يعِ المعنيون أن ما يواجههم ويتعاملون معه ليس سوقًا تنافسية يمكن التعامل معها كمؤسسة، وأنها لا تخضع لقوى العرض والطلب، وإنما تحكمها قواعد المضاربة والانتهازية والابتزاز؟

ومع ذلك، يستمر ضخ النقد الأجنبي رغم العجز.

أليس الأولى إصلاح السعر بدلًا من إغراق السوق؟

6. التركيز على السياسات السعرية

التفكير والدعوة إلى تطبيق سياسات سعرية تتعلق بدعم المحروقات وسعر صرف الدينار الليبي، دون الاهتمام بأصل المشكلة التي يعاني منها الاقتصاد والتي أوجدت هذه التشوهات، وتجاهل التفكير في سياسات اقتصادية بديلة أو مصاحبة مطلوبة لضمان تحقيق الاستقرار.

وتتواصل المطالبة بتطبيق سياسات سعرية، رغم أن الاقتصاد صار يشهد معدلات تضخم متزايدة، حتى أصبح التضخم ثنائي الرقم (Double Digit)، مما ينذر بتضخم جامح يهدد القوة الشرائية للدينار ومستوى معيشة المواطنين، مصحوبًا بارتفاع معدلات الفقر والفاقة، في ظل اتصاف الأسعار بالجمود إلى أسفل.

7. المطالبة بالرفع التام لدعم المحروقات

المطالبة بالرفع التام لدعم المحروقات، مقابل تقديم قيمة الدعم مباشرة للمواطن من الوفر المتحقق من رفع الدعم وحصيلة مبيعات الوقود التي تورد للخزانة العامة، وتقديم ذلك حلًا لمشكلة الاقتصاد الليبي، على حد قول المنادين بهذه السياسة.

ويأتي ذلك رغم أن الواقع والمؤشرات الحالية تشير إلى عدم وجود ما يضمن التزام الحكومة بدفع قيمة الدعم نقدًا، وعدم توفر شبكة حماية اجتماعية، وعدم توفر مواصلات عامة، كما لا يوجد ما يضمن توريد حصيلة بيع المحروقات إلى الخزانة العامة حتى يمكن استخدامها للتعويض عن رفع الدعم.

فقد بلغ إيراد بيع المحروقات في السوق المحلي صفر دينار (0.0 دينار)، وفقًا لبيان مصرف ليبيا المركزي خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026.

وعندما لا يتم توريد قيمة 150 درهمًا، فهل يُتوقع أن يتم توريد قيمة 400 درهم؟

8. تكريس الاعتماد على استيراد المحروقات

تكريس الاعتماد على استيراد المحروقات، بموجب الاعتمادات وبالمقايضة، وتنامي الصراع حولها، رغم العبء الذي تمثله على موارد الدولة واحتياطياتها.

وفي الوقت نفسه، عدم وضع مطلب تصنيع المحروقات محليًا كهدف استراتيجي والعمل على تحقيقه، رغم توفر كافة مقومات نجاح هذه الصناعة.

9. انفصام العلاقة بين نمو فاتورة الأجور والناتج المحلي الإجمالي

انفصام العلاقة بين نمو فاتورة الأجور ونمو الناتج المحلي الإجمالي، حيث ارتفعت فاتورة الأجور والمرتبات بنسبة 263% فيما بين عامي 2020 و2025، بينما بلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة نفسها 25.9%.

الأمر الذي يعني تحول جزء متزايد من الإنفاق العام من الإنفاق التنموي والاستثماري إلى الإنفاق الجاري، وتوقف تكوين رأس المال الثابت.

زيادة مرتبات لا تقابلها زيادة في الإنتاجية، والنتيجة ارتفاع أسعار السلع والخدمات وبداية الدخول في موجة تضخم متسارع.

الحاجة إلى مراجعة شاملة

ألا يدعو هذا إلى ضرورة مراجعة أساليب إدارة الشأن الاقتصادي برمته، ومراجعة النموذج المتبع في وضع وتنفيذ السياسات والإجراءات المطبقة، وإعادة ترتيب الأولويات: أولويات الإنفاق، وأولويات الاستيراد، وأولويات استعمال النقد الأجنبي، وأولويات الاستخدام والتشغيل، وأولويات الاستثمار ووسائل تنفيذه وتمويله؟

إذ تعطي السياسات المطبقة حاليًا وآليات التعامل مع الواقع إشارات متناقضة للسوق وللمواطنين (Contradictory Signals)، والنتيجة:

– ركود تضخمي (تضخم وبطالة).
– تضخم ثنائي الرقم (Double Digit).
– معدلات بطالة تتجاوز 20%.
– معدلات فقر مرتفعة.
– هدر لموارد واحتياطيات الدولة.
– تنامي الفرص الضائعة أمام الاقتصاد والدولة.
– تضخم الإنفاق العام وتسرب في الإيرادات العامة.
– تراجع الإنفاق الاستثماري والتنموي.
– تهريب المحروقات وعجز في المتاح منها محليًا من وقت لآخر.
– فجوة في سعر الصرف تتجاوز 47%، وتنامي فرص التربح من التعامل في السوق السوداء للنقد الأجنبي، رغم تزايد المعروض من النقد الأجنبي.
– تكريس الاعتماد على الاستيراد والتبعية الاقتصادية.
– اتساع دائرة الفساد والتعدي على المال العام.

إن التناقضات المشار إليها هي الواقع الذي أفضى إلى الأزمة، والنتائج التي تم ذكرها وحصرها هي أعراض الأزمة، والتعامل مع أي منها منفردًا لن يفضي إلى حل مشكلة الاقتصاد الليبي والأزمة التي يعاني منها.

What do you think?

0 نقاط
Upvote Downvote

بلدية أوباري: الأوضاع مستقرة ونحتاج دعما لتعزيز جاهزية الطوارئ