أصبح الشأن الاقتصادي الليبي مفتوحًا لكل من هبّ ودبّ. وللأسف، سمعت شخصًا محسوبًا على منظمة اقتصادية دولية، في إحدى قنوات التلفزيون الليبي، ينادي بالتخلي عن الدينار الليبي وتطبيق الدولار في جميع المعاملات التجارية وغير التجارية المحلية.
لم أتخيل أن يصدر هذا القول عن شخص يدّعي أنه اقتصادي.
استشهد هذا الشخص بأن هناك بعض البلدان التي تخلت عن عملاتها المحلية وتبنت الدولار الأمريكي، ولكن من هي هذه البلدان؟ إنها بلدان فقيرة وصغيرة لا تملك من أمرها شيئًا، مثل الإكوادور والسلفادور وتيمور الشرقية وبالاو وجزر مارشال.
فهل ليبيا، الدولة النفطية، مثل هذه الدول التابعة لأمريكا والتي تعيش على الفتات الأمريكي؟!
نحن الآن لا نتحدث عن ربط الدينار بالدولار، بل عن إلغاء الدينار بالكامل، كما قال هذا الشخص، بحيث تُدفع المرتبات بالدولار، وتُجرى عمليات البيع والشراء بالدولار.
وهذا يعني أن أمريكا ستسيطر على ليبيا اقتصاديًا؛ لأن الدولار الذي يصل إلى ليبيا يعتمد على عوامل وتدفقات نقدية لا تملك الدولة الليبية التحكم فيها بالكامل، وهذا يعني أيضًا أن سياستها الاقتصادية لن تكون مستقلة تمامًا.
لن تستطيع ليبيا ممارسة أدوات السياسة النقدية، ولن تستطيع زيادة عرض النقود، ولن تستطيع تغيير سعر الفائدة بمعزل عن أسعار الفائدة في أمريكا. كما لن تستفيد من عملية إصدار النقود، إذ سيضيع منها العائد الناتج عن إصدار العملة المحلية، المعروف اقتصاديًا باسم Seigniorage، والذي يرتبط بإصدار النقود.
وإذا انخفضت أسعار النفط، فستنشأ مشكلة أكبر في حالة تبني الدولار؛ إذ لن تستطيع ليبيا تخفيض قيمة عملتها لزيادة تنافسية صادراتها وخفض وارداتها، بهدف إعادة التوازن إلى ميزان مدفوعاتها.
بل لن تكون هناك حاجة إلى وجود مصرف مركزي بالمهام نفسها التي يمارسها حاليًا؛ لأن إيرادات النفط ستذهب مباشرة إلى وزارة المالية، وسيفقد المصرف المركزي معظم أدواته التي يؤثر بها في الاقتصاد.
أرجو ألّا يؤخذ هذا الأمر، أي الدولرة، على محمل الجد؛ لأن مصير الاقتصاد الليبي سيكون بيد أمريكا، ولن تستطيع الدولة الليبية تحريك ساكن.


