جدد مجلس الأمن الدولي ولاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لمدة عام إضافي، حتى 31 أكتوبر 2027، بموجب القرار رقم 2835، الذي اعتمده بالإجماع، مؤكداً دعمه للمسار السياسي الذي تيسّره البعثة، ومشدداً على ضرورة إنهاء المرحلة الانتقالية عبر انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة ونزيهة وشاملة.
ووضع القرار خريطة الطريق السياسية أمام اختبار التوافق الليبي، إذ شدد على أن تكون العملية السياسية بقيادة وملكية ليبية، داعياً المؤسسات السياسية والأطراف الرئيسية إلى الانخراط الكامل والشفاف وبحسن نية في المفاوضات، دون شروط مسبقة أو تأخير، وتقديم التنازلات اللازمة للتوصل إلى تسوية تنهي الانقسام السياسي.
كما رحب المجلس بالاتفاق الذي توصلت إليه الأطراف الليبية ضمن إطار الحوار المصغر «4+4»، معتبراً أنه يمثل أساساً لدفع الجهود الرامية إلى توحيد مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية، وتشكيل سلطة تنفيذية موحدة، وصولاً إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً.
وفي هذا السياق، دعا القرار جميع الأطراف الليبية إلى اتخاذ خطوات عملية لإعادة توحيد المؤسسات، ودعم تشكيل حكومة موحدة قادرة على ممارسة سلطتها في مختلف أنحاء البلاد، محذراً من عرقلة هذه الجهود أو تقويضها، ومذكّراً بإمكانية تطبيق تدابير العقوبات المنصوص عليها في القرار 2174 بحق الأفراد والكيانات المتورطة في عرقلة العملية السياسية.
وعلى الصعيد الأمني، جدد مجلس الأمن دعوته إلى التنفيذ الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 23 أكتوبر 2020، بما يشمل تنفيذ خطة انسحاب المرتزقة والمقاتلين الأجانب والقوات الأجنبية، وفق التفاهمات التي توصلت إليها اللجنة العسكرية المشتركة «5+5»، إلى جانب دعوة الدول الأعضاء إلى احترام سيادة ليبيا واستقلالها ووحدة أراضيها والامتناع عن التدخل في شؤونها.
ولم يقتصر تجديد الولاية على المسار السياسي والأمني، إذ دعا المجلس البعثة الأممية إلى توسيع حضورها الميداني في شرق البلاد وجنوبها، من خلال تعزيز وجودها في بنغازي وسبها وسرت، وزيادة التواصل مع الأطراف المحلية، بما يدعم جهود إعادة توحيد المؤسسات، مع الالتزام بإعادة توزيع الموارد المتاحة دون تكاليف إضافية.
اقتصادياً، شدد القرار على أهمية استمرار عمل قسم الشؤون الاقتصادية بالبعثة، وتنسيق الدعم الفني للمؤسسات الليبية لمواجهة تهريب الوقود وتسريب الموارد العامة والاستغلال غير المشروع لموارد الدولة، بناءً على طلب السلطات المختصة.
كما أكد أهمية إطلاق عملية وطنية شاملة للحوار والمصالحة، يكون الضحايا محورها، وتستند إلى مبادئ العدالة الانتقالية، داعياً إلى حماية استقلال السلطة القضائية وتهيئة الظروف المناسبة لإجراء الانتخابات، وضمان مشاركة المرأة بصورة كاملة ومتساوية وآمنة في العملية السياسية.
واشنطن: لا حصانة لمن يعرقل توحيد المؤسسات
وفي الموقف الأميركي خلال التحركات المرتبطة بإعداد القرار، برز إصرار واشنطن على تضمين نصه آليات لمساءلة الأطراف التي تعرقل تشكيل سلطة تنفيذية موحدة أو تقوض جهود توحيد المؤسسات السياسية والاقتصادية والأمنية، مع ربط هذه الممارسات بإمكانية فرض عقوبات بموجب القرار 2174.
وتشير تفاصيل المفاوضات التي سبقت التصويت إلى أن الولايات المتحدة دفعت باتجاه تشديد هذه الصياغة، قبل التوصل إلى نص توافقي يحث جميع الأطراف على عدم عرقلة جهود توحيد المؤسسات وتشكيل حكومة موحدة.
وعقب اعتماد القرار، رحب كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، بتجديد ولاية البعثة، معتبراً أن عملها يتكامل مع المبادرة والجهود الأميركية الرامية إلى تمكين ليبيا من تشكيل سلطة تنفيذية موحدة قادرة على بسط سيادة الدولة.
وقال بولس، في منشور عبر منصة «إكس»، إن ليبيا تقف أمام فرصة تاريخية لإنهاء الانقسام السياسي، محذراً من استغلال المرحلة الانتقالية لتحقيق مكاسب خاصة، ومؤكداً أن واشنطن لن تتردد في السعي إلى فرض عقوبات وعواقب وخيمة على الأطراف التي تتعمد عرقلة الانتقال السياسي.
وأضاف أن القرار، إلى جانب المبادرة الأميركية، يستحضر التدابير المنصوص عليها في القرار 2174، التي تتيح إدراج الأفراد والكيانات المتورطة في عرقلة العملية السياسية أو تقويضها ضمن قوائم العقوبات.
وجدد المسؤول الأميركي دعم بلاده للجهود التي يقودها الليبيون بالتنسيق مع البعثة الأممية، بهدف الوصول إلى انتخابات وطنية وتحقيق الاستقرار وتوحيد مؤسسات الدولة، مشيراً إلى أن مبادرة الرئيس دونالد ترامب تطرح مساراً نحو ليبيا موحدة ومستقرة وقادرة على تحقيق إمكاناتها.
وبذلك، لا يقتصر القرار 2835 على تمديد مهمة البعثة الأممية لعام آخر، بل يضع أمام الأطراف الليبية استحقاقات سياسية وأمنية واقتصادية واضحة، في مقدمتها توحيد المؤسسات وتشكيل سلطة تنفيذية موحدة والتهيئة للانتخابات، وسط تأكيد أميركي على أن عرقلة هذا المسار قد تترتب عليها عواقب تتجاوز المواقف السياسية إلى العقوبات الدولية.

