رغم إعلان رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، في أبريل الماضي، توجيه المؤسسة الوطنية للنفط بإنهاء التعاقد مع شركة أركنو وإحالة ملف التعاقدات إلى النائب العام، عادت الشركة إلى المشهد النفطي بإعلانها المساهمة في رفع الإنتاج، ما يثير تساؤلات بشأن مصير الاتفاقية ومدى تنفيذ قرار إنهائها، وحقيقة الإيرادات المتأتية من صادرات النفط.
إعلان جديد يعيد الجدل
أعلنت أركنو أنها ساعدت شركة الخليج العربي للنفط أجوكو على رفع إنتاج 56 بئراً من 13 ألف برميل يومياً إلى 35 ألف برميل يومياً خلال أقل من عام، عبر تنفيذ 52 عملية صيانة وإصلاح، وإعادة 4 آبار إلى الإنتاج.
ويأتي الإعلان رغم توجه الدبيبة إلى إنهاء اتفاقية التطوير المبرمة بين شركتي أركنو والخليج، على خلفية اعتراضات على الاتفاقية وعدم تمكن المؤسسة الوطنية للنفط، وفق خطاب متداول، من إثبات سلامة الإجراءات المتخذة أو جدوى التعاقد.
ويطرح ذلك تساؤلاً بشأن ما إذا كان قرار الإنهاء قد نُفذ فعلياً، أم أن الإجراءات القانونية والتعاقدية لا تزال تحول دون ذلك.
إنتاج مرتفع وإيرادات محدودة
أعلن مصرف ليبيا المركزي أن الإيرادات النفطية الموردة إليه بلغت 361 مليون دولار فقط، خلال الفترة من بداية أكتوبر وحتى 14 أكتوبر الجاري، رغم ارتفاع أسعار النفط عالمياً.
وبحسب بيانات المؤسسة الوطنية للنفط، بلغ متوسط إنتاج الخام نحو 1.341 مليون برميل يومياً في سبتمبر، قبل تجاوز 1.4 مليون برميل يومياً في أكتوبر. كما ارتفع متوسط سعر خام برنت من 114.16 دولاراً للبرميل في سبتمبر إلى 126.21 دولاراً في أكتوبر، بزيادة تقارب 10.6%.
وتثير هذه الأرقام تساؤلات بشأن العلاقة بين ارتفاع الإنتاج والأسعار وحجم الإيرادات المحصلة فعلياً، وهي مسألة تتطلب بيانات تفصيلية عن الصادرات ومواعيد التحصيل ومسارات العائدات.
تقرير أممي يكشف شبهات مالية وتعاقدية
وفي أغسطس الماضي، وجّه رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، خطاباً إلى النائب العام طالب فيه بالتحقيق في الوقائع الواردة بالتقارير الأممية، والتحقق من الأسس القانونية والمالية للعقود، وكميات النفط المصدرة، والعائدات الناتجة عنها، والجهات المستفيدة منها، ومقارنتها بالسجلات الرسمية.
وفي تقريره النهائي الصادر في مارس 2026، تحت الرمز S/2026/224، تناول فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة أنشطة أركنو ومسارات صادراتها وعائداتها، إلى جانب شبهات تتعلق بالالتزامات التعاقدية والاستثمارية والضريبية.
وبحسب التقرير، صدّرت الشركة ما لا يقل عن 42.1 ملايين برميل من النفط الخام بين يناير 2024 وديسمبر 2025، عبر تجار دوليين وشركات وساطة، فيما أشار الفريق إلى تعديلات تعاقدية قال إنها غيّرت بنود الاتفاقية لصالح الشركة وسمحت بتجاوز الكميات المصرح بها.
كما أفاد التقرير باستخدام الشركة في تحويل ما لا يقل عن 3 مليارات دولار من العائدات النفطية إلى حسابات مصرفية خارج ليبيا بين يناير 2024 ونوفمبر 2025، وتناول آليات التصدير والتسوية المالية ومدى خضوعها للرقابة الرسمية.
اتهامات سياسية وشحنة نفطية
وفي أغسطس الماضي، اتهم رئيس الحزب الديمقراطي، محمد صوان، حكومة الدبيبة بتأسيس أركنو بالتعاون مع أطراف من سلطات الأمر الواقع بهدف الاستحواذ على جزء من النفط الليبي، وأثار تساؤلات بشأن الأموال المخصصة لتطوير القطاع ورفع الإنتاج.
كما تناول تقرير الخبراء ترتيبات سياسية وعسكرية مرتبطة بالشركة، وأشار إلى دور إبراهيم الدبيبة ورفعت العبار في ترتيبات تأسيسها وعلاقتها بالمؤسسة الوطنية للنفط، فضلاً عن شبهات تتعلق بالضغوط على مسؤولين وآليات الرقابة.
وفي يونيو 2026، تداولت منصات إعلامية مستندات بشأن شحنة قيل إنها تابعة لأركنو، بلغت نحو 1.2 مليون برميل، حُمّلت خلال عام 2025 على الناقلة QUARTANUS من ميناء مرسى الحريقة شرقي ليبيا، وكان من المتوقع أن تتجه إلى ميناء شنغهاي في الصين، وفق صحيفة صدى الاقتصادية.
وفي ملف الطعن القضائي، كشف عضو كتلة التوافق الوطني بمجلس الدولة، نزار كعوان، في مارس الماضي، عن تقديم طعن إداري أمام محكمة استئناف الزاوية ضد قرار تكليف أركنو، مشيراً إلى تأجيل جلسات النظر فيه عدة مرات.
توصيات وأسئلة معلقة
أوصى فريق الخبراء الأمميين بوقف أي تعاقدات جديدة مع أركنو، ومنع المدفوعات خارج الحسابات الرسمية للمؤسسة الوطنية للنفط لدى مصرف ليبيا الخارجي، مؤكداً اختصاص المؤسسة بتسويق الخام الليبي.
وبين إعلان الدبيبة إنهاء التعاقد واستمرار أركنو في الإعلان عن نشاطها، تبقى أسئلة جوهرية بلا إجابات واضحة: هل نُفذ قرار الإنهاء؟ وأين ذهبت عائدات الصادرات التي تناولها التقرير؟ وما حجم الأموال التي دخلت فعلياً إلى حسابات الدولة؟

