in

أرقام “المركزي” تحت المجهر.. فائض معلن وإنفاق غامض وضغط متصاعد على الدينار

أثار تقرير مصرف ليبيا المركزي بشأن الإيرادات والإنفاق خلال الفترة من يناير وحتى أغسطس 2026، جدلًا بين عدد من الخبراء الاقتصاديين، الذين شككوا في قدرة الأرقام المعلنة على عكس حجم الإنفاق الفعلي في الاقتصاد، خصوصًا في ظل ارتفاع الطلب على النقد الأجنبي واتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي.

وأعلن المصرف تسجيل إيرادات بنحو 99 مليار دينار، مقابل إنفاق بلغ 68.7 مليار دينار، بما يعني، وفق القراءة المباشرة للبيانات، وجود فائض يناهز 30.3 مليار دينار.

لكن خبراء اقتصاديين يرون أن قراءة الأرقام بمعزل عن توقيت السحوبات، والإنفاق المرحّل، واستخدامات النقد الأجنبي، قد تعطي صورة غير مكتملة عن الوضع المالي والنقدي، متسائلين عن حجم الإنفاق الفعلي، ومصادر تمويله، وانعكاساته على سعر صرف الدينار.

تراجع الإيرادات رغم ارتفاع الأسعار؟

أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، عطية الفيتوري، طرح تساؤلات بشأن التراجع المسجل في الإيرادات النفطية والإتاوات الموردة إلى مصرف ليبيا المركزي.

وقال الفيتوري، في منشور على فيسبوك، إن الإيرادات النفطية والإتاوات بلغت خلال الفترة من 1 يناير إلى 31 أغسطس 2026 نحو 15.2 مليار دولار، مقابل نحو 15.8 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025، أي بانخفاض يقارب 600 مليون دولار.

ويرى أن هذا التراجع يثير الاستغراب، خصوصًا مع تسجيل أسعار النفط خلال عدد من أشهر 2026 مستويات أعلى من العام السابق، إلى جانب عدم وجود مؤشرات على انخفاض كميات الصادرات بالقدر الذي يفسر هذا التراجع.

وتساءل الفيتوري: كيف تنخفض الإيرادات النفطية رغم ارتفاع أسعار النفط، وفي وقت لم تنخفض فيه كميات الصادرات؟!

وطالب بتفسير واضح للفارق، وما إذا كان مرتبطًا بتوقيت توريد الإيرادات إلى المصرف المركزي، أو بطريقة احتسابها، أو بوجود خصومات وبنود أخرى لا تظهر بصورة واضحة في الرقم المعلن.

وتزداد أهمية التساؤل، وفق الفيتوري، مع تسجيل استخدامات للنقد الأجنبي بنحو 20.1 مليار دولار، مقابل إيرادات نفطية وإتاوات بلغت 15.2 مليار دولار، بفارق يقارب 4.9 مليارات دولار.

الـ30 مليار دينار.. هل تمثل فائضًا فعليًا؟

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي محمد الشحاتي أن الحديث عن وجود فائض بقيمة 30.3 مليار دينار يحتاج إلى إعادة قراءة، معتبرًا أن الأرقام التي يعرضها المصرف المركزي تتعلق أساسًا بمسحوبات الحكومة، وليس بالضرورة بحجم الإنفاق الفعلي خلال الفترة نفسها.

وأوضح الشحاتي، في منشور على فيسبوك، أن المصرف أعلن إيرادات بقيمة 99 مليار دينار، مقابل مسحوبات إنفاق بلغت 68.7 مليار دينار، ليظهر فارق قدره 30.3 مليار دينار.

إلا أنه أشار إلى أن بيانات السنوات السابقة تكشف، بحسب قراءته، وجود إنفاق يُرحَّل من سنة مالية إلى أخرى.

واستشهد ببيانات الإنفاق التنموي، موضحًا أن الإنفاق المسجل خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2025 بلغ نحو 403 ملايين دينار، قبل أن يصل في نهاية العام إلى نحو 20 مليار دينار.

ويتساءل الشحاتي: هل أنفقت الحكومة نحو 19.5 مليار دينار خلال الأشهر الأربعة الأخيرة من عام 2025؟

ويرى أن الإجابة تكمن في وجود أموال جرى سحبها من حساب الحكومة لدى المصرف المركزي في وقت سابق، ثم جرى إنفاقها لاحقًا، معتبرًا أن ذلك يمثل ما وصفه بـ«الإنفاق الموازي».

وبحسب هذه القراءة، فإن الإنفاق التنموي الذي تتحمل الحكومة مسؤوليته خلال 2026 قد يصل إلى نحو 21 مليار دينار، منها نحو 20 مليارًا مرتبطة بإنفاق مرحّل من 2025، ونحو مليار دينار جرى سحبه خلال العام الحالي.

إنفاق أكبر من الإيرادات

الخبير الاقتصادي إدريس الشريف يرى أن تحرك الإنفاق في حدود الإيرادات من شأنه الحفاظ على قدر أكبر من التوازن في سوق الصرف، باعتبار أن الدينارات التي تدخل الاقتصاد يقابلها مورد من العملات الأجنبية لدى المصرف المركزي.

وأشار الشريف، في منشور على فيسبوك، إلى أن هذا كان من أهداف اتفاق توحيد الإنفاق، الذي استهدف وضع سقف للإنفاق لا يتجاوز الإيرادات.

لكن الشريف يرى أن مؤشرات سوق الصرف لا تنسجم مع أرقام الإنفاق المعلنة، معتبرًا أن غياب بيانات تفصيلية عن الإنفاق الفعلي يفتح الباب أمام فرضية وجود إنفاق أكبر من الإيرادات.

ويحذر من أن تمويل أي عجز من خلال خلق دينارات جديدة يعني ضخ سيولة إضافية في الاقتصاد دون أن يقابلها بالضرورة ارتفاع مماثل في الاحتياطيات الأجنبية أو الإنتاج المحلي.

وفي اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات، يمكن أن تتحول هذه السيولة إلى طلب إضافي على الدولار، بما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، وفق قراءته.

كما يرى الشريف أن انخفاض قيمة الدينار قد يؤدي بدوره إلى زيادة الطلب على الدولار لأغراض المضاربة والتحوط، ما يجعل ارتفاع الطلب على العملة الأجنبية عاملًا إضافيًا في الضغط على سعر الصرف.

مطالب بالكشف عن الإنفاق الموازي

بدوره، يرى الخبير الاقتصادي عبد الحميد الفصيل أن حجم الإنفاق العام المعلن من مصرف ليبيا المركزي، والبالغ 68.7 مليار دينار، يمثل مؤشرًا على الإنفاق، لكنه لا يعكس بالضرورة الحجم الحقيقي للإنفاق الفعلي، بسبب ما وصفه بإغفال الإنفاق الموازي.

وأشار الفصيل، في منشور على فيسبوك، إلى أن استخدامات النقد الأجنبي خلال الأشهر الثمانية الأولى بلغت نحو 20.2 مليار دولار، مقابل إيرادات نفطية وإتاوات بنحو 15.2 مليار دولار، بعجز يقترب من 4.98 مليارات دولار، أو ما يعادل نحو 32.8%.

ويرى أن هذا المستوى من الطلب على النقد الأجنبي، بالتزامن مع تجاوز سعر الدولار في السوق الموازية 9.30 دنانير، لا يتناسب مع حجم الإنفاق المعلن.

ويذهب الفضيل إلى أن الإفصاح عن بيانات الإنفاق الموازي وحجمه بات أمرًا ملحًا لتكوين صورة أكثر دقة عن حقيقة الوضع المالي والنقدي في البلاد.

9 مليارات دولار اعتمادات مقابل 6 مليارات للأغراض الشخصية

وفي سياق متصل، قال الخبير الاقتصادي مختار الجديد إن إيرادات النفط خلال الأشهر الثمانية الماضية بقيت في حدود 15 مليار دولار، وهي تقريبًا نفس الإيرادات المسجلة خلال الفترة ذاتها من عام 2025، رغم ارتفاع أسعار النفط خلال العام.

وانتقد الجديد أوجه توزيع النقد الأجنبي، مشيرًا إلى أن بيانات مصرف ليبيا المركزي تظهر تخصيص نحو 9 مليارات دولار للاعتمادات، مقابل نحو 6 مليارات دولار للأغراض الشخصية، معتبرًا أن هذا التفاوت يطرح تساؤلات حول عدالة توزيع موارد النفط بين المواطنين.

وأضاف أن الدولار المستخدم في الحالتين مصدره واحد، وهو إيرادات النفط، بينما يختلف نصيب المواطنين منه بحسب آليات التخصيص.

ماذا تقول بيانات «المركزي»؟

بحسب بيان مصرف ليبيا المركزي، بلغت الإيرادات خلال الفترة من يناير وحتى نهاية أغسطس 2026 نحو 99 مليار دينار، منها 80.8 مليار دينار من مبيعات النفط، و15.3 مليار دينار من الإتاوات النفطية، إضافة إلى نحو ملياري دينار من الضرائب و184 مليون دينار من الجمارك.

وفي المقابل، بلغ إجمالي الإنفاق نحو 68.7 مليار دينار، توزعت على المرتبات بقيمة 46.9 مليار دينار، دون احتساب مرتبات أغسطس، و9 مليارات للنفقات التسييرية، و912.8 مليون دينار للتنمية، و11.8 مليار دينار للدعم.

كما أعلن المصرف أن الإيرادات النفطية والإتاوات الموردة إليه بلغت 15.2 مليار دولار، مقابل استخدامات للنقد الأجنبي بقيمة 20.1 مليار دولار، فيما تمت تغطية جزء من الفجوة من عوائد استثمارات المصرف المركزي.

وبلغت الأصول الأجنبية للمصرف في نهاية أغسطس نحو 96 مليار دولار، مقابل 99.4 مليار دولار في نهاية 2025.

وعلى مستوى القطاعات، بلغ الإنفاق المسجل نحو 49.9 مليار دينار، تصدرتها وزارة المالية والجهات التابعة لها بـ17.1 مليار دينار، ثم وزارة الدفاع بنحو 7 مليارات، ووزارة النفط والغاز بـ5.3 مليارات، ووزارة الداخلية بـ4.7 مليارات، ووزارة الصحة بنحو 4 مليارات دينار.

كما سجلت الشركة العامة للكهرباء إنفاقًا بلغ نحو 2.64 مليار دينار، فيما بلغت استخداماتها من النقد الأجنبي 696 مليون دولار.

فائض في البيانات.. وضغط في سوق الصرف

وبينما تظهر بيانات مصرف ليبيا المركزي فارقًا إيجابيًا بين الإيرادات والإنفاق المعلن، يطرح الخبراء سؤالًا مختلفًا: هل تعكس مسحوبات الحكومة خلال فترة معينة حجم الإنفاق الفعلي في الاقتصاد خلال الفترة نفسها؟

فالجدل لا يتعلق فقط بحجم الإيرادات أو الإنفاق، وإنما أيضًا بتوقيت السحب والإنفاق، والأموال المرحلة من سنوات سابقة، ومصادر تمويل الإنفاق، وحجم الإنفاق الذي لا يظهر في الجداول المعلنة.

وفي المقابل، فإن الفجوة بين إيرادات النقد الأجنبي واستخداماته، إلى جانب تراجع الأصول الأجنبية وارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية، تضيف مؤشرات أخرى يرى الخبراء أنها تستدعي تفسيرًا أكثر تفصيلًا.

أين تكمن الفجوة؟

وبينما يؤكد مصرف ليبيا المركزي أن أرقام الأشهر الثمانية الأولى تظهر فائضًا في الإيرادات مقارنة بالإنفاق المسجل، يرى خبراء اقتصاديون أن هذه القراءة قد لا تعكس الصورة الكاملة للإنفاق الفعلي والسيولة المتداولة في الاقتصاد.

فهل تكفي البيانات المنشورة حاليًا لتفسير وصول سعر الدولار في السوق الموازية إلى مستويات تتجاوز 9.30 دينار؟

وهل تكشف أرقام المصرف المركزي كامل حجم الإنفاق، أم أن هناك أموالًا مسحوبة أو إنفاقًا مرحّلًا لا يظهر في أرقام الفترة الحالية؟

ويبقى السؤال الأبرز: أين تكمن الفجوة بين فائض الإيرادات المعلن، والعجز في النقد الأجنبي، والضغط المتزايد على سعر صرف الدينار؟

What do you think?

0 نقاط
Upvote Downvote

وزير التعليم بحكومة حماد يطالب المعلمين باستمرار الدراسة ويعد بمعالجة مطالبهم

“ربما إلى طبرق”.. «فيرجيليو»: 7 سفن روسية حربية روسية محملة بمدرعات تتجه شرق المتوسط