إيرادات الحكومة التي تموّل الإنفاق العام تأتي أساسًا، بنحو 98%، من بيع الحكومة دولارات النفط إلى مصرف ليبيا المركزي بالسعر الرسمي.
وطالما أن الإنفاق العام يتحرك في حدود الإيرادات، يبقى سوق الصرف أكثر توازنًا؛ دينارات تدخل الاقتصاد يقابلها دولارات موجودة في خزينة المصرف المركزي.
وهذا تحديدًا ما استهدفه اتفاق توحيد الإنفاق، الذي رعاه المصرف المركزي عندما وضع سقفًا للإنفاق لا يتجاوز الإيرادات.
لكن يبدو أن الرياح جرت بغير ما تشتهي سفن المركزي، ويبدو أنه أرخى أشرعته لها!
فبرغم غياب البيانات، أو حجبها بتعبير أدق، تشير مؤشرات سوق الصرف إلى أن الإنفاق الفعلي أكبر بكثير من الإيرادات.
ومادام العجز قائمًا، فلا بد من تمويله بالدين العام وخلق دينارات جديدة!
وهنا تبدأ المشكلة..
دينارات إضافية تُضخ في الاقتصاد من دون أن تقابلها دولارات إضافية أو إنتاج حقيقي بالقدر نفسه.
وفي اقتصاد منكشف يعتمد على الخارج في توفير معظم السلع والخدمات، تتحول نسبة كبيرة من هذه الدينارات إلى طلب على الدولار، فتتسع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي.
ثم يحدث الأخطر..
عندما يبدأ الدينار في فقدان قيمته أمام العملات الأجنبية، لا يبقى الطلب على الدولار طلبًا تجاريًا فقط، بل يظهر طلب «المضاربة» للاستفادة من فروق الأسعار، ويظهر كذلك طلب «التحوط»، أي شراء الدولار لحماية المدخرات من التآكل مع انخفاض قيمة الدينار.
وهكذا يصبح انخفاض قيمة الدينار نفسه مولدًا لمزيد من الطلب على الدولار.
يحاول المصرف المركزي احتواء الفجوة بضخ دولارات إضافية من الاحتياطيات، بعد أن جرّب سابقًا تخفيض قيمة الدينار ثلاث مرات وفرض رسوم على بيع الدولار.
لكن هذه الإجراءات، مهما أخّرت المشكلة، لا تعالج أصل المرض، الذي هو ضخ دينارات في الاقتصاد تفوق ما يقابلها من دولارات وموارد وإنتاج حقيقي من السلع والخدمات، في ظل وضع سياسي وإداري واقتصادي منقسم ومضطرب.
من قرر الإنفاق الزائد والمنفلت؟
ومن موّل العجز؟
ومن سمح بخلق دينارات جديدة دون موارد حقيقية تقابلها؟
هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.
لكن من يدفع الثمن في النهاية هو المواطن المغلوب على أمره.

