Menu
in

اتفاق 4+4 ليس الغاية… والمعركة في ما بعده

 

دخل المشهد السياسي الليبي مرحلة جديدة عقب توقيع الاتفاق النهائي للجنة المصغرة (4+4) في العاصمة طرابلس، برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. وقد عالج الاتفاق عددًا من الملفات التي ظلت تمثل عوائق أمام تقدم العملية السياسية، وفي مقدمتها استكمال الوضع القانوني لمجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ومعالجة القضايا الخلافية المرتبطة بالقوانين الانتخابية وإطارها الدستوري.

ولا يمكن النظر إلى هذا الاتفاق بمعزل عن خارطة الطريق الأممية التي أعلنتها البعثة في أغسطس 2025، والتي تعثرت مراحلها الأولى نتيجة عجز مجلسي النواب والدولة عن تنفيذ التزاماتهما، في ظل استمرار نفوذ سلطات الأمر الواقع شرق البلاد وغربها.

ومن أجل تجاوز هذا الانسداد، انتقلت البعثة إلى تشكيل اللجنة الاستشارية، ثم إلى مسار الحوار المهيكل، وصولًا إلى لجنة (4+4). وبهذا المعنى، فإن الاتفاق ليس نهاية الطريق، وإنما تجاوز لمحطة كانت تعيق الانتقال إلى المحطة التالية: تشكيل سلطة تنفيذية موحدة وجديدة، تقود البلاد إلى الانتخابات.

لكن ردود الفعل على الاتفاق كشفت، مرة أخرى، عن عمق الانقسام في قراءة الأحداث السياسية، ويمكن اختزالها في ثلاثة اتجاهات رئيسية:

الاتجاه الأول: التأييد المطلق

يمثل هذا الاتجاه أنصار طرفي المعادلة القائمة، وإن اختلفت دوافع كل طرف.

فحكومة الوحدة الوطنية وأنصارها، بعد سنوات من الفشل والعجز وتراكم الأزمات وتراجع قدرتها على المبادرة وفقدانها كثيرًا من أوراق القوة السياسية، تنظر إلى الاتفاق باعتباره فرصة لكسب الوقت، أو لضمان موقع في المرحلة المقبلة، أو للبحث عن مخرج آمن من المشهد.

وفي المقابل، ترى القيادة العامة والقوى المتحالفة معها في الاتفاق فرصة للانتقال من سلطة أمر واقع إلى اعتراف سياسي أوسع، أو مدخلًا لطرح طموحات سياسية ورئاسية عجزت عن تحقيقها بوسائل أخرى.

لكن هنا يجب أن تكون القراءة واضحة: اتفاق 4+4 لا يمنح حكومة الدبيبة ضمانة بالبقاء، ولا يمنح أي طرف آخر حق تولي رئاسة الدولة أو احتكار السلطة المقبلة. كما أن محاولة ربط الاتفاق تلقائيًا بأي خطة أو تفاهمات أخرى، أو تسويقه إعلاميًا باعتباره تفويضًا لطرف بعينه، لا تستند إلى ما يمنحه الاتفاق نفسه.

الاتجاه الثاني: الرفض المطلق

ويقود هذا الاتجاه تيار دار الإفتاء ومن يدور في فلكه من أحزاب وشخصيات سياسية، وقد اتسم بعض الخطاب الرافض بدرجة عالية من التصعيد، وصلت في بعض التصريحات إلى التلويح بإشعال الحرب داخل العاصمة.

وهنا ينبغي أن يكون الموقف واضحًا أيضًا: المعارضة السياسية حق مشروع، ورفض أي اتفاق حق سياسي، لكن تحويل الخلاف السياسي إلى تهديد بالعنف أو الحرب ليس معارضة، بل تهديد لمسار الدولة والمجتمع.

لقد دفعت ليبيا ثمنًا باهظًا لمنطق السلاح، ولا يجوز أن تصبح كل تسوية سياسية جديدة ذريعة لإعادة إنتاج الصراع المسلح.

الاتجاه الثالث: الترحيب المشروط

وهذا هو الموقف الأكثر واقعية ومسؤولية في تقديري.

فالترحيب بالاتفاق لا يعني التسليم بكل ما قد يُراد تحميله له سياسيًا، كما أن التحفظ على بعض جوانبه لا يعني رفضه بالمطلق. والموقف الذي عبّر عنه رئيس الحزب الديمقراطي، أ. محمد صوان، يتعامل مع الاتفاق باعتباره خطوة يمكن البناء عليها لكسر حالة الجمود واستكمال خارطة الطريق، وليس باعتباره تسوية نهائية للأزمة الليبية.

فالمطلوب الآن، بعد استكمال المرحلة الأولى من خارطة الطريق الأممية، والتي بدأت بالتوقيع على اتفاق لجنة (4+4) وتنفيذ بنوده، الانتقال إلى المرحلة الثانية من خارطة الطريق الأممية وتشكيل سلطة تنفيذية موحدة وجديدة، قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية والوصول بالبلاد إلى انتخابات عامة نزيهة وذات مصداقية.

وهنا تحديدًا تبدأ المعركة السياسية الحقيقية.

فمن الخطأ اختزال المشهد في سؤال: من انتصر في 4+4؟

السؤال الأهم هو: ماذا بعد 4+4؟ ومن سيدير المرحلة المقبلة؟ وبأي معايير؟ ولأي مدة؟ وتحت أي ضمانات؟ وكيف نمنع إعادة إنتاج سلطات الفساد والفشل بأسماء جديدة؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الاتفاق من وسيلة لكسر الانسداد إلى وسيلة لإعادة تدوير الأزمة، بحيث تتغير الواجهات بينما تبقى بنية السلطة ومراكز النفوذ والفساد كما هي.

والقاعدة القانونية تقول: «العقد شريعة المتعاقدين»، أما شعبيًا فنقول: «اللي عطاك حبل كتّفه به». ولذلك لا يجوز تجزئة الاتفاق أو تفسيره وفقًا لمصالح كل طرف؛ فإما أن نقرأه كاملًا وفي سياقه السياسي والقانوني، أو نترك المجال للدعاية السياسية لتصنع منه اتفاقًا آخر لا وجود له في الواقع.

ومن هذه الزاوية، فإن الاتفاق لا يضمن استمرار حكومة الدبيبة، ولا يمنح الطرف الآخر تفويضًا لتولي رئاسة الدولة، ولا يقرر مسبقًا هوية السلطة التنفيذية المقبلة. ومن يحاول تقديمه بهذه الصورة إنما يمارس قراءة سياسية انتقائية لا تستند إلى مضمون الاتفاق، وإنما إلى رغبات أصحابها.

المعركة الحقيقية تبدأ الآن

لقد نجح اتفاق (4+4) حتى الآن في تحقيق أمر مهم: كسر جزء من الجمود السياسي، ومعالجة ملف كان يمثل حجر عثرة أمام العملية الانتخابية، وفتح الباب أمام الانتقال إلى ملف السلطة التنفيذية والانتخابات.

لكن نجاح هذه الخطوة سيبقى محدودًا إذا لم تُستثمر سياسيًا بالشكل الصحيح.

ولهذا، فإن المطلوب من القوى الوطنية ليس الدفاع عن الاتفاق وكأنه إنجاز نهائي، ولا مهاجمته وكأنه كارثة وطنية، وإنما البناء عليه لتحقيق تغيير حقيقي.

التغيير الذي نحتاجه ليس تبديل الأشخاص مع بقاء المنظومة نفسها، ولا إعادة توزيع المناصب بين مراكز النفوذ، وإنما الانتقال من مرحلة السلطات المؤقتة التي طال أمدها إلى سلطة تنفيذية موحدة، محددة المدة والاختصاصات، مهمتها الأساسية تهيئة الظروف السياسية والأمنية والمؤسسية لإجراء الانتخابات وإنهاء المراحل الانتقالية.

كما أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى حوار وطني حقيقي يتجاوز التفاهمات المحدودة، ويوسع دائرة المشاركة السياسية، ويمنع اختزال مستقبل ليبيا في ترتيبات تجري بين عدد محدود من القوى والأشخاص.

وفي الوقت نفسه، ينبغي على المجتمع الدولي أن ينتقل من سياسة إدارة الأزمة إلى سياسة دعم الحل، وأن يمارس ضغطًا حقيقيًا على الأطراف التي تعرقل الانتقال إلى الدولة، وأن يتعامل بجدية مع ما ورد في تقارير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن من ملفات تتعلق بالاستيلاء على النفط، وتهريب الوقود، والفساد المالي، والانتهاكات الحقوقية، بعيدًا عن الانتقائية السياسية.

إن اتفاق 4+4 ليس الغاية، وإنما فرصة. وليس انتصارًا لطرف، ولا هزيمة لطرف. وقيمته الحقيقية لن تحددها البيانات المؤيدة أو الرافضة، وإنما ما إذا كان الليبيون والقوى السياسية والمجتمع الدولي قادرين على تحويله إلى جسر يعبر بالبلاد من حالة الجمود إلى سلطة موحدة وانتخابات حقيقية.

ولهذا أقول بوضوح:

المعركة لم تُحسم بتوقيع 4+4؛ المعركة الحقيقية تبدأ من بعده.

وهي معركة ليست على من يرث السلطة، وإنما على ما إذا كانت ليبيا ستنتقل أخيرًا من منطق تقاسم السلطة إلى منطق بناء الدولة.

Exit mobile version