أعادت مسودة الاتفاق المنبثقة عن اجتماعات لجنة «4+4» لتنفيذ خارطة الطريق الأممية الجدل السياسي والقانوني في ليبيا، خصوصًا بشأن الإطار المقترح لإجراء الانتخابات التشريعية، بعدما تضمنت العودة إلى القانون رقم «10» لسنة 2014 أساسًا لتنظيم انتخابات مجلس النواب، وهو قانون يقوم على نظام الترشح الفردي، بما يعني خوض أعضاء الأحزاب الانتخابات بصفتهم أفرادًا، دون مشاركة الأحزاب بقوائمها وبرامجها.
وتأتي المسودة في إطار ترتيبات أوسع تشمل إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتعديل الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات الرئاسية والتشريعية، إلى جانب تحديد مدة لا تتجاوز 24 شهرًا لإجراء الاستحقاقين الرئاسي والتشريعي، في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة.
وفيما يتعلق بالانتخابات التشريعية، تقترح المسودة اعتماد القانون رقم «10» لسنة 2014 إطارًا وأساسًا لتنفيذها، مع منح الأحزاب السياسية حق المشاركة بمرشحين أفراد في الدوائر الانتخابية. ورغم أن النص لا يمنع أعضاء الأحزاب من الترشح، فإن الأحزاب ترى أن هذا الشكل من المشاركة يختلف جذريًا عن خوض الانتخابات بقوائم حزبية وبرامج سياسية، ويُبقي المنافسة في إطار الأفراد بدل البرامج والتيارات السياسية.
نظام انتخابي حقيقي
وكانت هذه النقطة تحديدًا محور تحرك 57 حزبًا سياسيًا، بينها الحزب الديمقراطي، إذ وجهت الأحزاب خطابًا إلى المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه، أعربت فيه عن قلقها من التوجهات المرتبطة بمخرجات «4+4»، ولا سيما ما يتداول بشأن العودة إلى القانون رقم «10» لسنة 2014.
وطالبت الأحزاب بدعم نظام انتخابي يضمن تمثيلًا حقيقيًا ومتوازنًا للأحزاب السياسية، وألا تقل حصة القوائم الحزبية عن 80% من مقاعد مجلسي النواب والشيوخ، كما دعت إلى ضمان مشاركتها الفعلية والمباشرة في أي حوار أو مشاورات تتعلق بالنظام الانتخابي، مؤكدة أن تحديد مستقبل مشاركتها لا ينبغي أن يتم عبر لجان لا تمثلها.
كما طالبت بالنشر العاجل والكامل لاتفاق لجنة «4+4» وجميع الترتيبات والقوانين الانتخابية المرتبطة به، داعية البعثة الأممية إلى توضيح موقفها من أي توجه لإقصاء القوائم الحزبية، ومحذرة من أن تتحول عملية تيسير البعثة إلى غطاء سياسي لترتيبات تعيد إنتاج اختلالات النظام الانتخابي.
ولم تستبعد الأحزاب اللجوء إلى القضاء، إذ أكدت استعدادها لسلوك جميع سبل الطعن القضائي المتاحة، بما في ذلك القضاء الدستوري بحسب الاختصاص، في حال اعتماد تشريعات أو ترتيبات تحرم الأحزاب من حقها في المشاركة.
أزمة عميقة
وفي السياق ذاته، اعتبر عضو الحوار المهيكل والأمين العام للحزب الديمقراطي، مصطفى البحباح، أن توجه لجنة «4+4» نحو العودة إلى القانون رقم «10» لسنة 2014، القائم على النظام الفردي، وإقصاء الأحزاب من المشاركة بقوائمها وبرامجها، لا يمكن اعتباره مجرد تعديل فني.
وقال البحباح إن هذا التوجه يمثل، من وجهة نظره القانونية والسياسية، «تهديدًا وجوديًا للعملية الديمقراطية الناشئة في ليبيا»، معتبرًا أنه محاولة لـ«هندسة النظام السياسي» بما يضمن بقاء الوضع القائم والشخصيات المتنفذة التي تخشى المنافسة البرامجية والمؤسساتية.
ووصف البحباح التوجه بأنه «رِدة عن مسار التحول الديمقراطي»، محذرًا من أن أي مخرجات قائمة على العودة إلى القانون رقم «10» ستكون، بحسب تقديره، باطلة دستوريًا وقانونيًا، وستفتح الباب أمام طعون قضائية لا تنتهي، بما قد يفقد أي برلمان ينتج عنها شرعيته ويدخل البلاد في أزمة أعمق.
كما انتقد البحباح موقف البعثة الأممية، معتبرًا أنها أصبحت أمام مأزق بين تيسير اتفاق ليبي-ليبي بشأن مخرجات «4+4»، وبين الالتزام بقرارات مجلس الأمن والبناء على القوانين الانتخابية التي أعدتها لجنة «6+6». ورأى أن محاولة تقديم العودة إلى القانون رقم «10» لسنة 2014 كحل وسط لإجراء الانتخابات تمثل، بحسب تعبيره، «تصفيرًا للمسار» وتقويضًا لمصداقية البعثة.
اللجنة تجاوزت صلاحياتها
من جهته، قال رئيس حزب التجمع الوطني، أسعد زهيو، إن مسودة لجنة «4+4» لا تعكس طبيعة اللجنة التي قُدمت في الأساس باعتبارها لجنة استشارية مهمتها تقديم «روشتة» للحل، وليس اتخاذ قرارات تنفيذية أو ملزمة.
وأوضح زهيو في تصريح لمنصة فواصل أن السماح لأعضاء الأحزاب بالمشاركة في الانتخابات كأفراد لا يعالج جوهر المشكلة، ولا يعوض إقصاء المشاركة الحزبية المباشرة في العملية الانتخابية، مشيرًا إلى أن الترشح الفردي يختلف عن خوض الانتخابات من خلال قوائم حزبية تحمل برامج ورؤى سياسية واضحة.
واعتبر أن المسودة تجاوزت، وفق ما ورد فيها، فكرة التوصيات التي شُكلت اللجنة من أجلها، وانتقلت إلى طرح قرارات وإجراءات محددة، من بينها تسمية رئيس وأعضاء مجلس إدارة المفوضية وتحديد آجال زمنية لتنفيذ ما ورد فيها.
وتساءل زهيو عن المسار الذي تتجه إليه البعثة الأممية، قائلًا إنه إذا كانت تتجه إلى آلية تتجاوز مجلسي النواب والدولة، فعليها أن تكون واضحة في ذلك، مع ضرورة توسيع دائرة المشاركة وعدم اختزال المشهد الليبي في طرفين أو ثمانية أشخاص.
ورأى أنه لا يوجد أساس يمنح لجنة «4+4» الحق في اقتراح العودة إلى القانون رقم «10» لسنة 2014، في وقت توجد فيه قوانين انتخابية أصدرتها لجنة «6+6» ويمكن تعديلها والبناء عليها، داعيًا إلى الاستفادة من التجارب السابقة وعدم تكرار ما وصفه بخطأ استبعاد الأحزاب من الانتخابات التشريعية كما حدث عام 2014.
ولم تقتصر الاعتراضات على النظام الانتخابي، إذ أشار زهيو إلى وجود ما وصفها بـ«تشوهات» أخرى في المسودة، من بينها إلغاء نظام الغرفتين التشريعيتين، رغم وجود تصورات سابقة تؤكد الحاجة إلى مجلس نواب ومجلس شيوخ.
ترحيب أوروبي أمريكي
في المقابل، حظيت مخرجات لجنة «4+4» بدعم دولي، إذ رحبت فرنسا وإيطاليا وألمانيا واليونان وهولندا وإسبانيا وسويسرا وبريطانيا والولايات المتحدة بالتطورات المتعلقة بالعملية السياسية في ليبيا، وأعربت الدول التسع عن دعمها لمخرجات اجتماعات المجموعة، مشيدة باتفاقها بشأن إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ووضع الإطار الانتخابي.
كما أعربت الدول عن تطلعها إلى التوقيع النهائي على الاتفاق، وحثت جميع الأطراف والجهات الفاعلة الليبية على دعمه والعمل على تنفيذه.
أساس قانوني ودستوري
من جهته أكد المجلس الأعلى للدولة أن الترحيب الدولي بمخرجات «4+4» لا ينشئ، بحد ذاته، شرعية دستورية أو أثرًا قانونيًا، مشددًا على ضرورة استناد أي تفاهم سياسي إلى أساس قانوني ودستوري واضح، وأن يحظى بالتوافق بين المؤسسات الليبية.
وقال المجلس إنه تابع ترحيب عدد من الدول بمخرجات المجموعة المتعلقة بالإطار القانوني للانتخابات وإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية، موضحًا أنه لم يكن طرفًا في اجتماعات «4+4» أو مخرجاتها.
وأكد أن إنهاء المرحلة الانتقالية وإجراء انتخابات وطنية حرة ونزيهة هدف وطني لا خلاف عليه، لكنه شدد على أن الانتقال إلى تنفيذ أي تفاهم سياسي يتطلب وضوح أساسه القانوني والدستوري واحترام اختصاص المؤسسات الليبية والتوافق الوطني.
كما دعا إلى إتاحة المخرجات الكاملة لاجتماعات «4+4» والأساس القانوني الذي تستند إليه، حتى تتمكن المؤسسات والرأي العام من تقييم آثارها القانونية والدستورية، مؤكدًا أن أي ترتيبات تمس مؤسسات الدولة أو أحكام الاتفاق السياسي الليبي، أو تستوجب تعديلًا دستوريًا أو قانونيًا، ينبغي أن تمر عبر الآليات التي أقرتها المرجعيات الوطنية النافذة.
المربع الأول
أما رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، فذهب في انتقاده إلى الإطار السياسي الأوسع للمسودة، محذرًا من أن «من كان جزءًا من أسباب الأزمة لا يمكن أن يكون مدخلًا لإعادة إنتاجها»، ومؤكدًا أن تعزيز سياسة الأمر الواقع على حساب دولة القانون والمؤسسات لن يقود إلا إلى المربع الأول.
واعتبر المنفي أنه من غير المقبول أن تتاح لبعض الأطراف الدولية وثائق وتفاهمات ليبية تتصل بمستقبل البلاد قبل عرضها بشفافية على الليبيين ومؤسساتهم الرسمية، داعيًا البعثة الأممية إلى أن تظل ميسّرة لمسار يملكه الليبيون، وألا تصبح إجراءاتها موضع تساؤل بشأن حياد المسار وشفافيته.
وربط المنفي بين التفاهمات السياسية والأزمة الليبية الأوسع، مؤكدًا أن التفاهمات التي لا تستند إلى الشرعية والتوافق وقابلية التنفيذ لن تحجب، بحسب قوله، حقائق الأزمة المتعلقة بالفساد والتهريب والعبث بإيرادات النفط وتراجع الخدمات وتآكل قيمة العملة.
وبين هذا الترحيب الدولي والتحفظات المحلية، تبدو نقطة قانون الانتخابات التشريعية واحدة من أكثر الملفات قابلية لإعادة إنتاج الخلاف، فالمسودة تطرح العودة إلى قانون «10 لسنة 2014» وإجراء الانتخابات وفق نظام الترشح الفردي، بينما تطالب الأحزاب بالانتقال إلى نموذج يمنح القوائم الحزبية حضورًا مباشرًا ويتيح التنافس على أساس البرامج السياسية.
رفض الإقصاء
وفي سياق متصل طالبت 81 حزبًا سياسيًا، في خطاب آخر موجه إلى رئيسي مجلسي النواب والدولة، بنشر مخرجات لجنة «4+4» كاملة، وإيضاح موقف المجلسين منها، ولا سيما ما يتعلق بأي توجه للعودة إلى القانون رقم (10) لسنة 2014 والنظام الانتخابي الفردي.
وأكدت الأحزاب تمسكها بالقانون رقم (27) لسنة 2023، الذي نقل الانتخابات التشريعية من النظام الفردي الخالص إلى نظام يتيح المشاركة الحزبية عبر القوائم، باعتباره الإطار التشريعي الانتخابي النافذ،
ورفضت الأحزاب أي صيغة من شأنها إقصاء الأحزاب السياسية كمؤسسات من العملية الانتخابية، وحصر مشاركتها في ترشح أعضائها بصفتهم أفرادًا، مؤكدة ضرورة الحفاظ على المبدأ الذي أقره القانون رقم (27) لسنة 2023، والقاضي بأن المقعد الذي تفوز به القائمة الحزبية هو مقعد للحزب وليس ملكًا شخصيًا للنائب.
ودعت الأحزاب مجلسي النواب والدولة إلى اتخاذ موقف واضح يحمي ما تحقق من تطور في التشريعات الانتخابية، ويحترم حجية القانون، ويصون التعددية السياسية، ويحول دون العودة بالمسار السياسي إلى نظام يقوم على الأفراد.
وتتجاوز أهمية الخلاف مسألة شكل بطاقة الاقتراع أو طريقة الترشح، لتصل إلى طبيعة البرلمان المقبل وشكل الحياة السياسية في البلاد: هل يكون مجلس النواب نتاج منافسة بين أفراد يمكن أن ينتموا إلى أحزاب، أم مؤسسة سياسية تعكس برامج وتنظيمات حزبية واضحة؟
وبذلك، فإن الجدل حول قانون الانتخابات التشريعية في مسودة «4+4» لا يدور فقط حول القانون رقم «10» لسنة 2014، بل حول النموذج السياسي الذي ستنتجه الانتخابات المقبلة، ومدى قدرة أي اتفاق على توفير قاعدة قانونية تحظى بقبول المؤسسات والأحزاب والقوى السياسية، وتجنب إعادة إنتاج الانقسامات التي حالت دون الوصول إلى انتخابات مستقرة وذات شرعية في السنوات الماضية.


