in

خفض سعر الصرف لا يغلق الفجوة.. الأرجنتين مثالًا على خطورة الحلول المؤقتة

خفض سعر الصرف الرسمي للدينار لا يغلق الفجوة.. بل قد يزيد التضخم ويضاعف معدلات الفقر..

تُطرح من وقت إلى آخر دعوات لخفض قيمة الدينار الليبي باعتبار ذلك حلًا للفجوة بين سعر الصرف الرسمي والسوق الموازية. لكن التجارب الدولية تقول إن خفض قيمة العملة، في حد ذاته، لا يعالج أسباب الفجوة، وقد يتحول إلى حل مؤقت سرعان ما تعود بعده المشكلة بصورة أكبر.

ولعل التجربة الأرجنتينية تقدم مثالًا واضحًا على ذلك فلو كان خفض قيمة العملة الوطنية كافيًا لإغلاق الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، لكانت الأرجنتين قد حسمت أزمتها منذ سنوات.

في عام 2009، كان الدولار يعادل نحو 3 بيزو أرجنتيني. ومنذ ذلك الوقت، شهد البيزو سلسلة متواصلة من التخفيضات والانخفاضات الحادة في قيمته، من أبرزها التراجع خلال عامي 2018 و2019، عندما فقد أكثر من 30% من قيمته الحقيقية، فيما استمرت الضغوط على سعر الصرف رغم التدخلات والسياسات المختلفة.

وفي أغسطس 2023، خفضت السلطات السعر الرسمي للبيزو ليصل إلى نحو 350 بيزو للدولار الواحد، ثم جاء التخفيض الأكبر في ديسمبر 2023، عندما جرى خفض قيمة السعر الرسمي بنحو 120%، في وقت كانت فيه الفجوة بين السعر الرسمي والموازي تقترب من 190%.

صحيح أن قرار ديسمبر أدى إلى تقلص الفجوة سريعًا، من نحو 190% إلى قرابة 20% بحلول مارس 2024، لكنه لم يكن حلًا نهائيًا لأزمة سعر الصرف؛ إذ استمرت الضغوط التضخمية ومشكلة العملة، واضطرت السلطات لاحقًا إلى مواصلة تعديل سعر الصرف.

واليوم، تجاوز سعر الدولار 1500 بيزو أرجنتيني، بعدما فقدت العملة نحو 99.8% من قيمتها مقارنة بمستويات عام 2009.

وهنا تكمن النقطة التي تهمنا في ليبيا.

قد يؤدي خفض قيمة الدينار إلى تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية لفترة قصيرة، لكنه لن يعالج أسبابها إذا ظل الطلب على الدولار أكبر من المعروض، واستمر العجز والإنفاق المرتفع والتوسع النقدي، إلى جانب تراجع الثقة في العملة والسياسات الاقتصادية.

عندها ستجد السياسة النقدية نفسها في دائرة مفرغة: تخفيض لسعر الدينار، يليه ارتفاع في الأسعار، ثم عودة الفجوة بين السعرين، فتخفيض جديد، وهكذا تستمر الحلقة.

والخطر هنا لا يقتصر على سعر الصرف؛ فكل انخفاض في قيمة العملة ينعكس على تكلفة السلع والخدمات المستوردة، بما يضغط على القوة الشرائية للمواطن ويزيد من معدلات التضخم والفقر.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: كم يجب أن يكون سعر الدولار؟ بل: ما الذي صنع الفجوة أصلًا؟

إذا كان الطلب على العملة الأجنبية يفوق المعروض، وإذا استمر الإنفاق والتوسع النقدي دون معالجة، فإن ملاحقة سعر السوق الموازية عبر تخفيض قيمة الدينار لن تكون علاجًا للأزمة، بل إعادة إنتاج لها بأرقام جديدة.

المطلوب ليس ملاحقة الفجوة بتخفيض سعر الدينار، وإنما معالجة الأسباب التي صنعت الفجوة من الأساس.

فاستقرار سعر الصرف لا يُبنى بقرار تخفيض واحد، وإنما بسياسات تعالج الطلب على العملة الأجنبية، وتضبط الإنفاق والتوسع النقدي، وتعزز الثقة في النظام المصرفي والعملة الوطنية.

والدرس الأهم من التجربة الأرجنتينية هو أن خفض قيمة العملة قد يضيّق الفجوة مؤقتًا، لكنه لا يستطيع وحده إغلاقها بصورة مستدامة.

What do you think?

0 نقاط
Upvote Downvote

الأسود: البعثة الأممية تنسف جهود لجنة الـ20 وتبحث عن إنجاز سياسي شخصي