بين إعلانٍ جديد عن التوافق، وذكريات اتفاقات سابقة لم تُنفذ، يعود ملف رئاسة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات إلى واجهة المشهد السياسي الليبي. فهل ينجح اتفاق لجنة (4+4) هذه المرة في تجاوز عقبات التنفيذ، أم أنه سيكون مجرد حلقة جديدة في سلسلة التفاهمات المؤجلة؟
اتفاقات متكررة
رغم تواصل اجتماعات اللجنة المصغرة (4+4)، التي تيسرها البعثة الأممية، وإعلانها عن اتفاقات متتالية، فإن أيًا من تلك التوافقات لم يُترجم إلى خطوات عملية حتى الآن، وسط انتقادات تتهم اللجنة بتجاوز دورها وصلاحياتها، لا سيما فيما يتعلق بملف السلطة التنفيذية.
اتفاق جديد
وأعلنت البعثة الأممية أن الاجتماع السابع للجنة، الذي عُقد برئاسة المبعوثة الأممية هانا تيتيه، أسفر عن اتفاق بشأن آلية اختيار رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
وأضافت البعثة أن المشاورات لا تزال مستمرة بشأن بقية بنود مسودة الاتفاق النهائي، على أن تُستأنف خلال اجتماع الأسبوع المقبل لاستكمال المرحلة الأولى من خارطة الطريق.
تعديلات متتالية
لكن هذا الاتفاق ليس الأول من نوعه، إذ سبق للجنة خلال اجتماعها السادس في يوليو الماضي أن اعتمدت آلية جديدة لاختيار رئيس توافقي للمفوضية، بعد تعثر تنفيذ الآلية التي كانت قد اتُّفق عليها سابقًا.
وقبل ذلك، أعلنت البعثة الأممية في أبريل الماضي أن الاجتماع الأول للجنة، الذي عُقد في العاصمة الإيطالية روما، توصل إلى اتفاق لإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، استنادًا إلى مخرجات مجلسي النواب والدولة.
كما طُرحت آنذاك آلية تقضي بترشيح رئيس من بين القضاة يختاره النائب العام، مع استمرار النقاش حول القوانين الانتخابية للوصول إلى نصوص توافقية.
آلية جديدة
وبحسب مصادر محلية، فإن الآلية التي اتفقت عليها لجنة (4+4) خلال اجتماعها الأخير في تونس تنص على ترشيح اسمين لرئاسة المفوضية، أحدهما من قبل “القيادة العامة”، والآخر من قبل حكومة الوحدة الوطنية.
وأضاف مصدر مطلع لمنصة “فواصل” أن مجلس المفوضية، المكوَّن من ستة أعضاء، ثلاثة رشحهم مجلس النواب وثلاثة رشحهم المجلس الأعلى للدولة، سيتولى المفاضلة بين المرشحين واختيار أحدهما خلال اجتماع الأسبوع المقبل في تونس.
وكان الاجتماع الأول للجنة في روما قد شهد التوافق على تسمية كل من: علي الطايع عبد الجواد، وهيثم علي الطبولي، وعلي أبو صلاح عن مجلس النواب، وسناء الليشاني، وبديوي محمد بديوي، وعلي مفتاح المبروك عن المجلس الأعلى للدولة، أعضاءً في مجلس المفوضية الجديد.
اتهامات بتجاوز التفويض
في المقابل، تواجه مخرجات لجنة (4+4) انتقادات متزايدة، أبرزها ما طرحه الأمين العام للحزب الديمقراطي، مصطفى البحباح، الذي اعتبر أن اللجنة تجاوزت التفويض الممنوح لها، والذي يقتصر على استكمال تشكيل المفوضية ومعالجة الخلافات المتعلقة بالقوانين الانتخابية.
وقال البحباح، عبر صفحته على “فيسبوك”، إن إدراج ملفات تتعلق بالسلطة التنفيذية يهدد حياد المسار الأممي، ويمنح أطرافًا منخرطة في الصراع دورًا في رسم مستقبل المرحلة السياسية.
وحذر من أن تجاوز مخرجات الحوار المهيكل بشأن توحيد السلطة التنفيذية قبل الانتخابات قد يضعف الثقة في العملية السياسية.
دعوات للالتزام بالتفويض
من جانبه، شدد رئيس الحزب الديمقراطي، محمد صوان، على ضرورة التزام اللجنة بالمهام المحددة لها، والمتمثلة في استكمال تشكيل المفوضية ومعالجة القوانين الانتخابية.
واعتبر أن أي تدخل في ملف السلطة التنفيذية يمثل خروجًا عن التفويض الأممي، ويقوض الثقة في المسار السياسي، مشيرًا إلى أن أعضاء اللجنة يمثلون قوى الأمر الواقع، وهو ما يثير تساؤلات بشأن حيادها.
وأضاف أن معالجة ملف السلطة التنفيذية عبر اللجنة قد تؤدي إلى إعادة إنتاج القوى السياسية نفسها التي أخفقت في إدارة المرحلة السابقة، متجاهلةً مخرجات الحوار المهيكل التي دعت إلى توسيع دائرة المشاركة الوطنية.
الجدل مستمر
ورغم تأكيد البعثة الأممية إحراز تقدم نحو اتفاق نهائي يمهد لإجراء الانتخابات، لا يزال الجدل قائمًا بشأن حدود صلاحيات لجنة (4+4) وآليات عملها. وبين التوافقات المتكررة والتشكيك في فرص تنفيذها، يبقى نجاح هذا المسار مرهونًا بمدى الالتزام بالتفويض الممنوح للجنة، وقدرتها على الوصول إلى توافق يحظى بقبول سياسي واسع، ويفتح الطريق أمام استحقاق انتخابي طال انتظاره.

