يواصل المعلمون اعتصامهم للأسبوع الثاني على التوالي، للمطالبة بتحسين الأجور وتسوية المستحقات المالية، في حين انضم الأطباء والعاملون في قطاع الصحة إلى موجة التصعيد، مطالبين بزيادة المرتبات وصرف الفروقات المالية وتحسين أوضاعهم المهنية والمعيشية.
مطالب الأجور تتحول لقضية عامة
وامتدت المطالب إلى التعليم العالي، مع إعلان اتحاد جامعات ليبيا تعليق الدراسة والدخول في اعتصام بداية من الخميس المقبل، للمطالبة بزيادة المرتبات وتسوية الأوضاع المالية المتأخرة وتحقيق العدالة في الأجور وتحسين أوضاع الجامعات.
ومع انتقال المطالب من التعليم والصحة إلى الجامعات والمتقاعدين، لم يعد ملف الأجور مطالب قطاعية منفصلة، بل تحول إلى قضية اجتماعية أوسع تضغط على الحكومة للاستجابة لمطالب شرائح تعتمد بصورة مباشرة على الإنفاق العام.
ويأتي ذلك في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب شعور قطاعات مدنية بوجود تفاوت في مستويات المرتبات والزيادات بين مؤسسات الدولة.
زيادات جديدة تفتح باب المطالب المدنية
وتزامن تصاعد المطالب مع اعتماد زيادات في مرتبات العسكريين خلال العام الحالي، وبدء صرف الأجور وفق جدول جديد اعتباراً من يونيو، ما عزز مطالب قطاعات مدنية بالحصول على زيادات مماثلة.
وفي المقابل، فإن تعميم الزيادات يواجه تحدياً رئيسياً يتمثل في حجم فاتورة الأجور والقدرة على توفير موارد مستدامة لتمويلها.
46.9 مليار دينار فاتورة المرتبات
وتظهر بيانات مصرف ليبيا المركزي حجم هذه الضغوط؛ إذ بلغ الإنفاق على الباب الأول، المخصص للمرتبات،46.9 مليار دينار خلال الفترة من يناير إلى نهاية أغسطس 2026، من إجمالي إنفاق بلغ 68.6 مليار دينار.
كما بلغ عدد العاملين المسجلين في منظومة راتبك لحظي نحو 1.75 مليون موظف، من إجمالي يقدّر بنحو 2.2 مليون موظف، ما يعني أن أي زيادة عامة في المرتبات ستضيف التزامات مالية متكررة إلى الموازنة.
النفط يمول الزيادة.. ويزيد المخاطر
وتزداد حساسية الملف مع اعتماد المالية العامة بدرجة كبيرة على النفط، إذ بلغت الإيرادات النفطية 80.8 مليار دينار، إضافة إلى 15.3 مليار دينار من إتاوات النفط.
ويجعل ذلك قدرة الدولة على تمويل زيادات مستدامة في الأجور مرتبطة باستقرار الإنتاج وتدفق الإيرادات النفطية، في وقت حذرت فيه المؤسسة الوطنية للنفط من تداعيات الإغلاقات المرتبطة بالاحتجاجات على الإنتاج والاقتصاد.
هل تحسن الزيادة القدرة الشرائية؟
لكن النقاش لا يتعلق فقط بقدرة الدولة على زيادة قيمة المرتبات، وإنما بما إذا كانت الزيادة ستنعكس فعلياً على حياة المواطنين، إذ يرى الناشط السياسي أحمد العشيبي في تصريح لـ الرائد أن رفع الأجور وحده لا يكفي لتحسين المعيشة، محذراً من أن زيادة الدخل دون زيادة الإنتاج وضبط الأسعار وإصلاح سعر الصرف قد تؤدي إلى ارتفاع الطلب على السلع المستوردة والدولار، ومن ثم تراجع القيمة الفعلية للزيادة.
جدول موحد لمواجهة تفاوت المرتبات
ويدعو العشيبي إلى اعتماد جدول موحد للمرتبات يحقق العدالة بين موظفي الدولة، مع مراعاة المؤهلات والتخصص وطبيعة العمل والمسؤوليات والأوضاع المعيشية وقدرة الدولة المالية.
كما يطالب بمراجعة الاستثناءات والجداول المالية الخاصة ببعض الجهات المدنية والرقابية، وربط العلاوات بالتخصص وطبيعة العمل والمسؤولية، إلى جانب تسوية أوضاع المعاشات التقاعدية.
جدول المرتبات لا يزال قيد النقاش
وفي موازاة ذلك، يتواصل النقاش حول مشروع جدول موحد للمرتبات، وقال الإعلامي ناظم الطياري عبر صفحته الرسمية إن العمل على الجدول يجري بصورة جدية، وإن النقاش لا يزال مستمراً بشأن بعض البنود، فيما لم تعتمد الصيغة النهائية بعد.
وأوضح الطياري أن التوجه يتمثل في توحيد مرتبات أغلب مؤسسات الدولة وفق الدرجات الوظيفية، مع توقع ارتفاع مرتبات الدرجات الدنيا.
ويشير العشيبي إلى أن لجنة تضم ديوان المحاسبة ومصرف ليبيا المركزي ووزارة المالية أعدت مشروعاً للجدول الموحد، وأن المشروع أحيل إلى مجلس النواب منذ نحو سبعة أشهر دون إقراره، فيما يستمر النقاش بشأن آلية تطبيقه.
بين الاستجابة للمطالب وكلفة الزيادة
ومع استمرار الاعتصامات واتساع دائرة المطالب، تواجه الحكومة معادلة بين كلفة الاستجابة وكلفة عدم الاستجابة، فزيادة المرتبات قد تخفف الضغوط الاجتماعية وتستجيب لمطالب قطاعات واسعة، لكنها في الوقت نفسه توسع الالتزامات الثابتة للموازنة، أما تأجيل الحل فقد يدفع قطاعات جديدة إلى الاحتجاج ويزيد الضغط على خدمات أساسية مثل التعليم والصحة.
وتبقى القضية في النهاية أكبر من مجرد إضافة أرقام جديدة إلى كشوف المرتبات؛ إذ يرتبط نجاح أي زيادة بقدرتها على الحفاظ على القوة الشرائية للمواطن، وبوجود موارد قادرة على تمويلها بصورة مستدامة، وبين ضغط الشارع وفاتورة الأجور المتصاعدة، يتجه ملف المرتبات إلى اختبار قدرة الدولة على تحقيق قدر أكبر من العدالة في الأجور، من دون تحويل الزيادة إلى عبء مالي دائم على الاقتصاد.

