اختتم الحوار المهيكل الذي رعته البعثة الأممية في ليييا، أعماله بحزمة توصيات موسعة سعت إلى إعادة رسم ملامح المشهد السياسي والمؤسسي، عبر مقترحات تستهدف إنهاء حالة الانقسام، وتوحيد السلطة التنفيذية، وتهيئة بيئة سياسية وأمنية تسمح بإجراء الانتخابات، في وقت تتصاعد فيه التساؤلات حول قابلية هذه المخرجات للتطبيق على أرض الواقع.
تشكيل الحكومة
وركزت التوصيات على ضرورة الانتقال من الوضع القائم القائم على ازدواجية السلطة إلى تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، تتولى إدارة مرحلة انتقالية محددة زمنياً لا تتجاوز (18 – 24) شهراً، مع حظر تمديدها أو إعادة إنتاج كيانات انتقالية جديدة، في محاولة لكسر نمط المراحل الانتقالية المفتوحة.
توحيد المنظومة الأمنية
وشدد المسار على توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية تحت قيادة واحدة تابعة للسلطة التنفيذية، باعتبار ذلك شرطاً محورياً لتأمين العملية الانتخابية، وضمان حماية مراكز الاقتراع، ومنع توظيف المال العام في الصراع السياسي أو التأثير على المسار الانتخابي.
مجلس رئاسي وحكومة بـ3 نواب
وبشأن تركيبة السلطة التنفيذية، اقترح المسار تشكيل مجلس رئاسي من رئيس ونائبين، حيث يتمتع الرئيس بصلاحيات تشمل القيادة العليا للقوات المسلحة، واعتماد الميزانية العامة، وتعيين كبار المسؤولين الدبلوماسيين، إضافة إلى الإشراف المباشر على وزارتي الدفاع والخارجية، فيما تُدار قرارات الحرب والطوارئ بالتشاور مع نوابه.
كما نصت التوصيات على تشكيل حكومة استحقاق وطني برئاسة واحدة وثلاثة نواب يمثلون الأقاليم، ضمن آلية اختيار تستند إلى المادة (64) من الاتفاق السياسي، أو عبر مسارات بديلة في حال تعثر التوافق، مع تحديد مدة زمنية صارمة للولاية الانتقالية.
الإطار الدستوري
أما الملف الدستوري، فتمحور حول بلورة إطار انتقالي يسبق اعتماد دستور دائم، مع إبقاء خيار الاستفتاء الشعبي كآلية لحسم الخلافات الدستورية، بالتوازي مع نقاشات مستمرة بشأن إعادة تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات عبر عدة خيارات، من بينها لجان وساطة أو هياكل تأسيسية جديدة.
دعم الغالبية
وقال عضو فريق الحوكمة بالحوار المهيكل مصطفى البحباح، إن التقرير النهائي للتوصيات تضمن آليات تهدف إلى الحد من التعطيل السياسي ومعالجة حالة الانسداد، من بينها تفعيل المادة 64 كخيار بديل في حال تعثر تنفيذ المسار السياسي.
وأكد البحباح، في تصريح صحفي، أن أغلبية أعضاء الحوار دعمت التوصيات النهائية، وأن مخرجات الحوار تعكس إرادة غالبية المشاركين الساعية إلى إنهاء الانقسام ودفع العملية السياسية إلى الأمام.
وأشار إلى أن الخلاف حول التقرير لا يتعلق بمضمون الإصلاحات المقترحة بقدر ما يرتبط بالمواقف من التغييرات السياسية التي قد تترتب على تنفيذها.
وبين البحباح أن سبب تحفظ 6 من أصل 120 عضواً على التقرير النهائي للحوار، يعود إلى تضمين التقرير مقترحاً يقضي بتشكيل سلطة تنفيذية جديدة وموحدة تنهي حالة الانقسام في البلاد.
وأضاف أن الأعضاء المتحفظين أبدوا اعتراضاتهم خلال أشهر الحوار بسبب مخاوف تتعلق بفقدان النفوذ والمكاسب المرتبطة باستمرار الوضع القائم.
تأكيد للمؤكد
في المقابل، يرى عضو المجلس الأعلى للدولة منصور الحصادي في تصريح للرائد أن المخرجات تمثل “تأكيداً للمؤكد”، قائلا إن جوهر الأزمة يكمن في الانقسام السياسي والمؤسسي، داعياً إلى تشكيل سلطة تنفيذية موحدة وتوحيد المؤسسات السيادية والأمنية والعسكرية، إلى جانب تجديد مجلس المفوضية الوطنية للانتخابات.
وأشار الحصادي إلى أن البعثة الأممية تواجه ثلاثة مسارات محتملة: التوافق بين مجلسي الدولة والنواب، أو إطلاق حوار سياسي جديد وفق المادة (64)، أو تبني مبادرة بديلة، في ظل استمرار حالة الانسداد السياسي.
دعم وترحيب
في موازاة ذلك، رحب التحالف الليبي لأحزاب التوافق الوطني بمخرجات الحوار، مثمناً دور بعثة الأمم المتحدة في إدارة المسار التيسيري.
وعدّ التحالف التوصيات خطوة متقدمة نحو إعادة تنظيم السلطة التنفيذية واعتماد نظام الولايات كخيار لتعزيز اللامركزية، إلى جانب ضبط الإنفاق العام وحماية الموارد الوطنية.
ودعا التحالف إلى تفعيل آليات واضحة لتجاوز الانسداد السياسي مطالباً المجتمع الدولي بدعم المخرجات وضمان تنفيذها، وإصدار ما يلزم من إجراءات لحمايتها من محاولات التعطيل.
كما دعا إلى الالتزام بالمهلة الزمنية المحددة بـ45 يوماً للتوافق، وحثّ الشارع الليبي على دعم هذا المسار.
ومن جهته، أعلن الائتلاف الوطني لأبناء ليبيا ترحيبه بالتقرير النهائي، واعتبره خطوة مهمة نحو التوافق الوطني، داعياً الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى دعم تنفيذ التوصيات بما يعزز الاستقرار.
بين هندسة الحل وتعقيدات الواقع
ورغم وضوح الإطار المقترح واتساع قاعدة التأييد له لدى أطراف سياسية عدة، يظل السؤال المركزي قائماً حول مدى قدرة هذه المخرجات على الانتقال من صياغة التوافقات إلى تنفيذ فعلي، في ظل مشهد سياسي لا يزال محكوماً بتوازنات معقدة وانقسامات ممتدة تعرقل أي تسوية نهائية.

