Menu
in

الاثنين الساخن.. دماء في بنغازي ونيران في الزاوية وأزمة في المركزي

شهدت البلاد أمس يوماً استثنائياً تزامنت خلاله ثلاثة تطورات لافتة في بنغازي والزاوية وطرابلس، حملت معها مؤشرات جديدة على حجم الضغوط الأمنية والاقتصادية التي تواجهها البلاد، بدءاً من اغتيال مسؤول أمني رفيع في بنغازي، مروراً باستهداف منشآت نفطية في الزاوية، وصولاً إلى الاستقالة المفاجئة لمحافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى.

ورغم عدم وجود أدلة معلنة حتى الآن تربط بين هذه الأحداث، فإن وقوعها في يوم واحد أعاد إلى الواجهة تساؤلات بشأن قدرة مؤسسات الدولة على حماية المنشآت والشخصيات الحيوية، وتأمين قطاع النفط، والحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي.

بنغازي.. اغتيال مسؤول أمني رفيع

في بنغازي، قُتل مدير إدارة الاستخبارات العسكرية بالمنطقة الشرقية، فوزي المنصوري، إثر انفجار عبوة ناسفة استهدفت السيارة التي كان يستقلها في منطقة الهواري، بالقرب من مسجد السيدة عائشة، وفق المعلومات المتداولة.

ولم تكشف الجهات الأمنية حتى الآن عن تفاصيل كاملة بشأن ملابسات الهجوم أو هوية منفذيه والجهة التي تقف وراءه، فيما باشرت الأجهزة المختصة التحقيقات لكشف ظروف الواقعة.

الزاوية.. هجمات متتالية والنيران تلتهم خزان وقود

وفي غرب ليبيا، شهدت مدينة الزاوية تصعيداً أمنياً استهدف منشآت نفطية حيوية، بعدما اندلع حريق في خزان وقود بمستودع الزاوية النفطي، عقب استهداف مباشر، قالت المؤسسة الوطنية للنفط إنه طال خزاناً تابعاً لشركة البريقة، مخصصاً لتخزين بنزين السيارات.

وأعلنت المؤسسة حالة الطوارئ القصوى في المنطقة، مشيرة إلى أن الخزان كان يحتوي على نحو 4.5 ملايين لتر من البنزين، وأن الاستهداف أدى إلى اشتعال النيران وانهيار الخزان.

وأفادت مصادر محلية بأن الهجوم نُفذ بواسطة طائرة مسيّرة، فيما لم تعلن المؤسسة الوطنية للنفط عن الجهة المسؤولة.

ويأتي الهجوم ضمن سلسلة من أربع ضربات شهدتها المصفاة خلال ثلاثة أيام، في تصعيد طال عدداً من أصول قطاع الطاقة في المدينة.

وقالت المؤسسة الوطنية للنفط لاحقاً إن طائرة مسيّرة أخرى استهدفت مصنعاً لمزج وتعبئة الزيوت تابعاً لمصفاة الزاوية.

وكانت شركة الزاوية لتكرير النفط قد أعلنت يوم السبت تعرض خزان ديزل في المصفاة لهجوم بطائرة مسيّرة، تسبب في إحداث ثقبين بجدار الخزان وتسرب محتوياته، قبل أن تتم السيطرة على التسرب من دون وقوع حرائق أو إصابات.

وفي اليوم التالي، استهدفت طائرة مسيّرة محطة لتحلية المياه في المنطقة، وفق المؤسسة الوطنية للنفط، ولا تزال التحقيقات جارية بشأن الهجمات، فيما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها.

طرابلس.. استقالة مفاجئة لمحافظ المركزي

وعلى الجانب الاقتصادي، جاء إعلان محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، تقديم استقالته إلى مجلسي النواب والدولة، ليضيف تطوراً آخر إلى المشهد المضطرب.

ورفض مجلس الدولة قبول استقالته، بينما لم تتضح بعد الخطوة التي سيتخذها مجلس النواب، فيما لم يكشف المحافظ عن أسباب الاستقالة، مكتفياً بالإشارة إلى حساسيتها.

وتأتي الخطوة في وقت يواجه فيه مصرف ليبيا المركزي ملفات شديدة التعقيد، من بينها سعر الصرف الذي وصل في السوق الموازية إلى 9.50 دنانير، وإدارة النقد الأجنبي، والإنفاق العام، والإيرادات النفطية، وسط استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي.

هشاشة الوضع

من جهته، قال الصحفي محمد القرج إن البلاد مرت بليلة اختبرت في ساعات قليلة هشاشتها كلها دفعةً واحدة.

وتابع ” “في بنغازي، اغتيالٌ بالمفخخات يعيد إلى الذاكرة لغةً ظنّ الليبيون أنهم دفنوها وفي الزاوية، مسيّرات تضرب منشأة نفطية؛ في رسالة مخيفة بأن شريان البلاد الاقتصادي لم يعد بعيداً عن مرمى الفوضى، وفي طرابلس، يستقيل محافظ مصرف ليبيا المركزي، بينما يقف الاقتصاد أصلاً فوق أرضٍ شديدة الاضطراب”.

وتابع القرج أن الحوادث لم تكن متشابهة، ولا ينبغي بالضرورة ربطها ببعضها، لكن اجتماعها في ليلة واحدة يرسم مشهداً موجعاً لدولة تُصاب في أمنها، ونفطها، ونقدها في الوقت ذاته.

متسائلا إلى أي حدّ تستطيع دولة أن تحتمل هذا القدر من الهشاشة قبل أن يصبح الاستثناء هو القاعدة؟»

بدوره قال الصحفي منير الأشهب إن خمس طائرات مسيّرة هاجمت مصفاة الزاوية ومحطة تحلية المياه خلال أقل من 72 ساعة، بينها ثلاث هجمات أمس الاثنين.

وأضاف: «السؤال لم يعد: من يقف وراء هذه الهجمات؟ فقط، بل: أين الدولة وأجهزتها الأمنية والعسكرية؟

تابع : هل يعقل أن تحلّق هذه الطائرات وتستهدف منشآت حيوية أكثر من مرة، بينما الحكومة والأجهزة الأمنية والعسكرية والمجموعات المسلحة والمؤسسات التابعة للمجلس الرئاسي عاجزة عن تحديد مصدرها أو حتى منع تكرار الهجمات؟

وتسائل : أين تقنيات الرصد والتتبع؟ وأين منظومات التشويش؟ وأين المعلومات الاستخباراتية؟ وهل عجزت هذه الجهات جميعاً، رغم إمكاناتها وما يمكن أن تحصل عليه من دعم دولي، عن حماية منشآت بهذا الحجم؟

وختم قوله ” إذا كان هذا عجزاً فهذه كارثة، وإذا كان إهمالاً فهذه جريمة، وإذا كان الأمر مقصوداً فالمصيبة أكبر”

مؤشرات اقتصادية مقلقة

ويرى أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة عبدالحميد فضيل أن استقالة المحافظ دون إعلان أسبابها تمثل «جرس إنذار» بشأن الوضع المالي والاقتصادي، مشيراً إلى وجود ملفات وصفها بالخطيرة.

ويضع الفضيل في مقدمة هذه الملفات انفلات الإنفاق العام، وتعثر جهود توحيده، وارتفاع فاتورة المحروقات، التي قال إنها بلغت نحو 1.41 مليار دولار خلال يونيو، إلى جانب تراجع الإيرادات النفطية.

كما أشار إلى تآكل الاحتياطيات وتفاقم عجز النقد الأجنبي، محذراً من أن استمرار هذه المؤشرات قد يزيد الضغوط على سعر صرف الدينار والقوة الشرائية للمواطنين.

يوم واحد.. ثلاثة ملفات مفتوحة

وبينما لا توجد حتى الآن معلومات معلنة تثبت وجود تنسيق أو رابط بين اغتيال مسؤول الاستخبارات في بنغازي، والهجمات على المنشآت النفطية في الزاوية، واستقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي، فإن تزامنها يضع المشهد الليبي أمام ثلاثة ملفات شديدة الحساسية في وقت واحد.

ففي الشرق، يبرز السؤال الأمني بعد اغتيال شخصية عسكرية رفيعة، وفي الغرب تتصاعد المخاوف بشأن سلامة المنشآت النفطية، بينما تفتح استقالة محافظ المصرف المركزي الباب أمام تساؤلات جديدة حول مستقبل السياسة النقدية والمالية.

وبذلك لم يكن أمس يوماً عادياً في ليبيا، بل يوماً اجتمعت فيه أزمة الأمن مع تهديد النفط وضغوط الاقتصاد، لتبقى الأسئلة الأهم معلقة: من يقف وراء هذه الهجمات؟ وما الذي ينتظر مصرف ليبيا المركزي؟ وهل تمتلك مؤسسات الدولة القدرة على احتواء هذه التطورات قبل أن تتحول من أحداث متفرقة إلى أزمة أوسع؟

Exit mobile version