Menu
in

تجنيب فوائض ارتفاع أسعار النفط للأجيال القادمة

كنت قد نشرت إدراجاً مختصراً قبل يومين حول ضرورة تجنيب الفوائض الناتجة عن الارتفاع الحالي في أسعار النفط.
“وفقاً لارتفاع سعر النفط بسبب الظرف الحالي، ينبغي سنّ تشريع يقضي بأن أي دولار فوق 70 دولاراً للبرميل يجب أن يُوجَّه إلى حساب مُجنَّب، ويكون من حق الأجيال القادمة، بشرط عدم توجيهه إلى المؤسسة الليبية للاستثمار، بل يبقى وديعة مصرفية لأجلٍ معين.”
وقد لقي ذلك الإدراج استقبالاً أستطيع أن أصفه، في مجمله، بأنه مرحّب بالفكرة، مع عدد من التحفظات التي عبّر عنها الإخوة الأعزاء في التعليقات.
ومن اللافت أن الاعتراضات على فكرة تجنيب الفوائض النفطية جاءت أساساً من اتجاهين رئيسيين. الاتجاه الأول ينطلق من التشكيك في مصير هذه الأموال بسبب الفساد وضعف الحوكمة، وهو تخوف مفهوم في ظل التجربة الليبية خلال السنوات الأخيرة. أما الاتجاه الثاني فيرى أن أي ارتفاع في أسعار النفط ينبغي أن ينعكس فوراً في زيادة الإنفاق لتحسين أوضاع الأجيال الحالية التي تعاني من ضغوط معيشية صعبة. وكلا الموقفين مفهوم من الناحية الاجتماعية، غير أنهما لا يلغيان الحاجة إلى النظر إلى المسألة من زاوية اقتصادية أوسع.
الفكرة المطروحة في الأصل ليست اختراعاً جديداً ولا “نصيحة نظرية” منفصلة عن الواقع، بل هي قاعدة مالية معروفة في الاقتصادات المعتمدة على الموارد الطبيعية. وجوهر هذه القاعدة بسيط، ويتمثل في التمييز بين الإيرادات الدائمة والإيرادات المؤقتة. فارتفاع أسعار النفط غالباً ما يكون ظاهرة طارئة مرتبطة بدورات السوق أو بالأزمات الجيوسياسية، وليس تحسناً دائماً في القدرة الإنتاجية للاقتصاد. ولذلك فإن تحويل هذه الزيادة المؤقتة مباشرة إلى إنفاق دائم يعني ببساطة نقل الاقتصاد إلى مستوى أعلى من عرض النقود والإنفاق لا يمكن الحفاظ عليه عندما تعود الأسعار إلى مستوياتها الطبيعية.
أما الحجة القائلة بضرورة استغلال الطفرة الحالية لزيادة الإنفاق لصالح الأجيال الحالية، فهي تبدو للوهلة الأولى حجة منطقية، لكنها تصبح موضع شك كبير عندما ننظر إلى طبيعة الإنفاق العام القائم اليوم. فالمشكلة في ليبيا ليست فقط في نقص الموارد، بل أيضاً في مستوى الهدر المالي وضعف الرشد في إدارة الإنفاق العام. وفي ظل هذا الواقع، يصبح من الصعب افتراض أن أي زيادة في الإيرادات النفطية ستتحول تلقائياً إلى تحسين ملموس في مستوى الخدمات العامة أو في رفاهية المواطنين. بل إن التجربة خلال السنوات الماضية تشير إلى أن جزءاً كبيراً من الزيادة في الإنفاق العام لم ينعكس في تحسن مماثل في الأداء الاقتصادي أو في مستوى الخدمات.
التاريخ الاقتصادي للدول النفطية مليء بالأمثلة التي توضح خطورة التعامل مع الطفرات السعرية باعتبارها دخلاً دائماً. فالدول التي أنفقت فوائضها بالكامل خلال سنوات الارتفاع وجدت نفسها لاحقاً أمام أزمات مالية حادة عندما تراجعت الأسعار. أما الدول التي وضعت قواعد مالية واضحة لتجنيب الفوائض فقد استطاعت تخفيف أثر تقلبات السوق على اقتصادها وميزانيتها العامة.
وفي الحالة الليبية تحديداً، هناك تجربة سابقة تشير إلى أهمية هذه السياسة. فقد تم، قبل سنة 2010، تجنيب جزء مهم من الفوائض النفطية، الأمر الذي أدى إلى تراكم احتياطيات مالية كبيرة. وهذه الاحتياطيات لم تكن مجرد أرقام في دفاتر محاسبية، بل لعبت لاحقاً دوراً مهماً في حماية الاستقرار النقدي وتمويل الواردات الأساسية، وهو ما ساهم في تجنب انهيار حاد في قيمة الدينار كما حدث في بعض الدول النفطية الأخرى مثل العراق والجزائر وفنزويلا، التي واجهت ظروفاً صعبة ولم تتمكن من الحفاظ على احتياطيات كافية خلال فترات الاضطراب والحروب، مع تحفظي على الكثير من السياسات النقدية التي اتُّبعت في ليبيا في هذه المرحلة.
وفي الحالة الليبية الراهنة، هناك سبب إضافي يجعل هذه القاعدة أكثر أهمية، وهو الانقسام السياسي والمؤسسي. ففي ظل وجود حكومات متعددة تتنافس على الإنفاق، يصبح أي ارتفاع في الإيرادات النفطية ذريعة جاهزة لتوسيع المصروفات العامة، حتى في الحالات التي تعاني فيها الميزانيات أصلاً من عجز. ولذلك فإن وجود قاعدة واضحة تقضي بتجنيب الفوائض لا يعد ترفاً نظرياً، بل يمثل أداة انضباط مالي تساعد على منع تحويل الإيرادات المؤقتة إلى التزامات إنفاق دائمة.
والنقطة التي ربما لم ينتبه لها البعض هي أن الاقتراح لم يُطرح باعتباره قراراً تنفيذياً، بل باعتباره تشريعاً محدد المدة. وهذه مسألة مؤسسية مهمة. فالسلطات التنفيذية في ليبيا تمارس الإنفاق فعلياً حتى في غياب ميزانية معتمدة، الأمر الذي يجعل أي محاولة لضبط الإنفاق من داخل الجهاز التنفيذي نفسه محدودة الأثر. أما تحويل هذه القاعدة إلى تشريع ملزم، فإنه ينقل المسألة من نطاق التقدير السياسي للحكومات إلى قاعدة قانونية واضحة.
كما أن توجيه هذا التشريع سيكون أساساً إلى مصرف ليبيا المركزي، حيث تُودع عائدات النفط أصلاً. وبعبارة أخرى، فإن القاعدة المقترحة لا تعتمد على انضباط الحكومات في إدارة الإنفاق، بل تضع آلية مؤسسية تسبق عملية الإنفاق نفسها، بحيث يتم تجنيب الفائض قبل أن يصبح متاحاً للصرف الحكومي. ومن الناحية العملية، فإن هذا الإجراء يسحب جزءاً مهماً من القدرة المعنوية والمادية للسلطات التنفيذية على تبرير التوسع في الإنفاق كلما ارتفعت الإيرادات النفطية.
وقد أُثير أيضاً تساؤل معتبر حول مدى الثقة في النظام المالي العالمي، وإمكانية تعرض الأموال المجنبة للتجميد أو المخاطر السياسية، استناداً إلى تجارب سابقة مرت بها ليبيا. وهذا تساؤل مشروع بالفعل، إلا أن التعامل معه يجب أن يتم من زاويتين. الأولى تتعلق بكفاءة الإنفاق الحكومي الحالي، إذ إن البديل عن الادخار الخارجي ليس بالضرورة إنفاقاً أكثر كفاءة في الداخل، بل قد يعني ببساطة زيادة الهدر المالي.

Exit mobile version