in

أكبر عملية نهب في تاريخ ليبيا.. هل غرقت البلاد في فخ صندوق النقد الدولي؟

لا يوجد في ليبيا اقتصاد بالمعنى الفعلي، بل يوجد مورد طبيعي تتدفق إيراداته إلى الخزائن الليبية، بينما تباع معظم هذه الموارد في شكلها الخام.

المشكلة لا تتوقف عند طبيعة الاقتصاد، بل تمتد إلى صانع القرار الذي أصبح عاطلًا عن العمل، وامتدت بطالته لتنعكس على المورد البشري في البلاد، الذي يعمل معظمه في القطاع العام دون إنتاج، في صورة واضحة لما يمكن تسميته بالبطالة المقنّعة. والنتيجة هي عجز مستمر عن تسيير اقتصاد البلاد وخلق قيمة مضافة خارج خام النفط.

خلال 13 عامًا، من 2012 وحتى نهاية فبراير 2026، تجاوز الإنفاق التسييري لاقتصاد البلاد 103 مليارات دينار، بينما بلغ الإنفاق على الباب التنموي نحو 139 مليار دينار، بإجمالي 242 مليار دينار، أي ما يقارب ربع تريليون دينار. وهي أرقام تستند إلى تقارير ديوان المحاسبة وبيانات المصروف والإيراد الصادرة عن مصرف ليبيا المركزي.

ورغم الإيرادات النفطية الكبيرة، تستمر الأسعار في الارتفاع وتتراجع القوة الشرائية للمواطن. المشكلة هنا ليست في حجم الموارد، وإنما في طريقة إدارتها. وصول أشخاص غير مؤهلين إلى مواقع صنع القرار بطرق ملتوية جعل المواطن الليبي يدفع ضريبة سوء إدارة المال العام من قوته، ومن خلال تراجع مستوى الخدمات التعليمية والصحية والكهرباء والأغذية.

وتتحمل السياسات النقدية جانبًا رئيسيًا من مسؤولية تراجع القوة الشرائية، في ظل التوسع في طباعة العملة والتمويل بالعجز، وهدر الاحتياطيات الأجنبية، والعبث بقيمة العملة المحلية عبر التعويم المدار. وهي سياسات تعكس، في جوهرها، فشلًا في إدارة السياسة النقدية، بينما يدفع المواطن الكادح الثمن النهائي لهذا العبث بالموارد عبر المصرف المركزي وباقي مؤسسات صناعة القرار الاقتصادي.

قيمة الإنفاق العام خلال الفترة من 2012 إلى فبراير 2026 تجاوزت 940 مليار دينار، وفق تقارير ديوان المحاسبة للسنوات 2015 و2016 و2019 و2020 و2021، وبيانات مصرف ليبيا المركزي للسنوات 2022 و2023 و2024 و2025 وفبراير 2026.

هذا الرقم المهول أُنفق خلال عقد ونيف، ومع ذلك تتربع ليبيا، وفق ما يعيشه المواطن وما تؤكده التقارير الدولية لمؤشر مدركات الفساد، على قائمة الدول الأكثر فسادًا في العالم. إنفاق بهذه الضخامة لم يتحول إلى تنمية حقيقية، ولا إلى اقتصاد منتج، ولا إلى خدمات توازي حجم الأموال التي أنفقت.

الإنفاق الليبي لا يندرج تحت سياسة اقتصادية رشيدة، بل يتحول، في كثير من الحالات، إلى عبث ونهب لم يشهد له العالم مثيلًا.

الإنفاق على الباب الأول للمرتبات وما في حكمها، والذي يحوي 11 بندًا، تجاوز 482 مليار دينار، فيما أُنفق أكثر من 103 مليارات دينار لتسيير اقتصاد البلاد. الكارثة أن هذا الإنفاق لا ينتج شيئًا تقريبًا، وحتى الطلب الذي يحدثه في السوق يذهب معظمه إلى السلع المستوردة والخدمات التي يقدمها أجانب يعملون في سوق الظل الليبي.

نحو 139 مليار دينار أُنفقت على التنمية، بينما لم يشاهد المواطن إلا تبخر موارد بلده في لا شيء. وأكثر من 185 مليار دينار أُنفقت على باب الدعم، في حين أن الصحة والدواء والكهرباء وغيرها تحولت، بحسب الواقع، إلى دعم وهمي لا وجود حقيقيًا له على أرض الواقع.

أما الوقود، فأصبح منجمًا لنهب المال العام. فهل من المنطقي أن يرتفع دعم المحروقات من مليار إلى 83 مليار دينار في بحر عقد واحد؟

الإنفاق الحالي، وخاصة الإنفاق بالعجز، يمثل أحد أسباب تدهور الاقتصاد الليبي، كما يعد من أكبر أبواب نهب المال العام ومن أكبر الأدوات التي تؤزم حالة عدم الاستقرار المالي والنقدي.

وفي ملف الدينار الليبي وسعر الصرف وأسباب استمرار ضعف العملة وارتفاع الطلب على الدولار في السوق السوداء، تبرز جملة من الملاحظات الواردة في تقرير شركة Deloitte.

أولى هذه الملاحظات تتمثل في الإقراض غير القانوني للخزانة العامة، بعدما قدم المصرف المركزي قروضًا وتمويلات غير مدروسة للخزانة العامة دون ضمانات كافية أو سداد، بالمخالفة للمادة 11 ب من القانون المصرفي رقم 1 لسنة 2005، التي تشترط سداد هذه القروض خلال سنة مالية.

القروض تجاوزت 70.7 مليار دينار بحلول يونيو 2020، بما يشكل 34 بالمئة من إجمالي أصول البنك، مع عدم وجود خطة للسداد.

وتظهر مشكلة أخرى في احتياطيات النقد الأجنبي، مع تضخيم قيمة الاستثمارات الأجنبية، مثل بنك ABC وشركة UniCredit، بأكثر من 3.2 مليار دولار مقارنة بقيمتها السوقية الفعلية، وفق ما ورد في الجدول 4.5 والصفحات 20 إلى 23.

احتياطي الذهب لم يسجل بالقيمة العادلة، إذ سجل بقيمة 47 مليون دينار فقط، بينما تبلغ قيمته السوقية، وفق البيانات المذكورة، 6.64 مليار دولار، بما يعادل 9.3 مليارات دينار، ونحو 61.4 مليار دينار اليوم. وهو ما يعني تشويه المركز المالي الحقيقي للبنك وإخفاء أصول ذات قيمة عالية.

أما الاعتمادات المستندية، فقد تحولت بدورها إلى أحد الملفات المثيرة للقلق، في ظل عدم وجود رقابة كافية على إصدار الاعتمادات المستندية للقطاع العام، والتي بلغت 23.82 مليار دينار خلال الفترة من 2012 إلى 2019، إضافة إلى نحو 65 مليار دولار خلال الفترة من 2021 إلى فبراير 2026.

تركز 60 بالمئة من الاعتمادات في بنك ABC التابع للبنك المركزي يثير شبهة تضارب مصالح خطيرة، ويجعل إمكانية تحويل أموال عامة إلى جهات غير مشروعة تحت غطاء هذه الاعتمادات أمرًا قائمًا.

القوائم المالية نفسها لم تكن بمنأى عن المشكلات، إذ أظهر التقرير عدم إجراء مراجعة خارجية للقوائم المالية منذ 2014، رغم نص المادة 25 من القانون المصرفي على ذلك، إلى جانب عدم تطبيق معايير المحاسبة الدولية IFRS. والنتيجة عدم شفافية البيانات المالية وصعوبة كشف الاختلالات والمخالفات.

احتياطيات النقد الأجنبي انخفضت بقيمة 12.8 مليار دولار، وبنسبة 15 بالمئة بين عامي 2014 و2020 دون مبرر واضح، وفق ما ورد في الصفحات 38 إلى 42. كما تم سحب 15 مليار دينار من محفظة مجنب لتمويل عجز الموازنة دون ضوابط، ما أدى إلى تآكل الاحتياطيات التي يفترض أن تكون ضمانًا للاقتصاد الوطني.

الأرصدة العالقة تمثل مشكلة أخرى، مع وجود أرصدة قديمة غير مسواة منذ ما قبل 2014، من بينها دين بقيمة 608 ملايين دينار ضمن بند مدينون متنوعون، دون جهود جادة لتحصيلها أو شطبها. وهو ما أدى إلى تشويه دقة القوائم المالية وتراكم المطلوبات المشكوك فيها.

ضعف الرقابة على حسابات الوزارات والهيئات العامة يضيف بدوره إلى حجم المشكلة، إذ بلغت هذه الأرصدة 2.9 مليار دينار في 2020، مع عدم وجود تأكيدات من طرف ثالث، الأمر الذي يفتح المجال أمام إمكانية استخدام هذه الحسابات في تحويلات غير مشروعة.

أما سعر الصرف، فقد شهد تغييرًا من 1.4 إلى 4.48 دينار للدولار، وهو القرار الذي اتُخذ في ديسمبر 2020 ونُفذ في 13 يناير 2021، دون دراسة كافية للتأثيرات المالية. وأدى ذلك إلى تضخم مصطنع في قيمة الأصول والخصوم، وخلق اضطرابات في السوق وزاد العبء على المواطنين.

وفي عام 2026 انحدرت قيمة العملة مقابل الدولار إلى 6.4 دينار للدولار في السوق الرسمية، بينما يتذبذب السعر في السوق السوداء، التي يمكن وصفها بسوق الجريمة، بين 8 و9 دنانير للدولار.

هذه الأسباب ليست جميع العوامل التي تقف وراء تراجع قيمة العملة المحلية. فسياسة المصرف المركزي منذ 2014، والقيود المفروضة على تداول العملات الأجنبية للجمهور، ورفعها عن أسر معينة ومنح الدولار تفضيليًا، كلها ساهمت في تشوه سوق النقد الأجنبي.

وصل الأمر إلى أن أصبحت لدى بعض الأسر بنوك مركزية في بيوتها من العملات الأجنبية، لتصبح هي من يقرر قيمة الدينار الليبي، بينما يصبح المصرف المركزي تابعًا لهؤلاء المعتمدين على الاحتياطيات الأجنبية المتدفقة من النفط تحت قناع رجال أعمال.

الطباعة المستمرة للعملة المحلية دون أن يقابلها ارتفاع مماثل في الناتج المحلي الإجمالي أدت إلى تآكل الدينار الليبي محليًا عبر سياسة التمويل بالعجز، وخارجيًا عبر التعويم المدار والمستمر لقيمة الدينار بحجة أن العملة المحلية غير مقيمة بالسعر الحقيقي أو بقيمتها التوازنية.

إنها صورة من التدليس والعبث بعملة واقتصاد البلد، نتيجة ممارسات خاطئة استمرت منذ 2012 وحتى اليوم.

ولا يمكن تجاهل الانقياد التام لتوصيات صندوق النقد الدولي، الذي يقدم، بحسب هذا الرأي، وصفة نمطية هدفها تحقيق مصالح الدول الصناعية المسيطرة على الاقتصاد الرأسمالي العالمي. والنتيجة ضياع ثروات البلدان النفطية النامية ووقوعها في شرك الديون والأزمات الاقتصادية، وما العراق وفنزويلا ونيجيريا عن ذلك ببعيد.

كل هذه المعطيات تقود إلى نتيجة واضحة: إدارة اقتصادية ضعيفة وفاسدة الرقابة، وإهدار للمال العام، وتضارب مصالح، خاصة مع بنك ABC.

الإصلاح يبدأ بمراجعة مستقلة لجميع الأرصدة المشبوهة، ومحاسبة المسؤولين عن المخالفات الجسيمة، وإصلاح نظام الرقابة الداخلية والخارجية، وتطبيق المعايير الدولية في الإفصاح المالي.

أما الإجراءات التي يتخذها مصرف ليبيا المركزي في ملف النقد الأجنبي والسيولة والدفع الإلكتروني، فلا تبدو كافية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، بل يمكن أن تكون سببًا رئيسيًا في تعزيز عدم الاستقرار النقدي.

استمرار تضخيم الكتلة النقدية، وعدم تحكم الدولة في دخلها المحلي الإجمالي نتيجة اعتمادها على ريع النفط، يجعل الاقتصاد الليبي رهينة لأسعار النفط وكميات بيعه، فضلًا عن تعرضه للأزمات والقرارات السياسية الدولية للدول الكبرى.

ليبيا دولة غير صناعية وعرضة للصدمات الخارجية بسبب اعتمادها على بيع خام النفط، كما تعتمد بشكل شبه كلي على السلع الأجنبية، حتى في السلع الأساسية.

ويضاف إلى ذلك التضخم المهول والمتسارع في الكتلة السكانية وما ينجم عنه من تضخيم الاستهلاك المحلي، في ظل غياب دور الدولة في ضبط حدودها وتطبيق قوانين الإقامة وترحيل المتسللين، وترك هذا الملف لدى مؤسسات دولية لا ترعى، وفق هذا الرأي، إلا مصالح الدول الغربية على حساب المصالح الليبية.

مشكلة المصرف المركزي اليوم تتمثل في الانقياد التام لصندوق النقد الدولي وانتظار حل مشكلات لا تعني الصندوق في شيء. الاقتصادات غير المستقرة لا ينبغي أن تعامل بوصفات إصلاح اقتصادي مصممة لدول ذات اقتصادات مستقرة. فالحذاء الذي يناسب قدمك ليس بالضرورة أن يناسب قدم ابنك الرضيع.

الانتقال من اقتصاد يعتمد على النفط إلى اقتصاد متنوع قائم على الاستثمار والصناعة والزراعة والقطاع الخاص لن يتحقق قبل استقرار البلاد، وإنهاء التدخل الدولي، ووقف الهرج السياسي، وإنهاء الإقطاعيات الأمنية، وإنهاء الانقسام غير المعلن للبلاد المتمثل في وجود حكومتين.

عندها فقط يمكن تصميم برنامج للإصلاح الاقتصادي وفق النهج التنموي، الذي يقوم على أربعة أركان رئيسية عامة قابلة للتنفيذ.

أما في وقت الأزمات، فلا يمكن إدارة اقتصاد البلاد إلا بأدوات اقتصاد الأزمة. وأي وهم بالنهوض بالاقتصاد في ظل الظروف الحالية ليس سوى دعوة إلى مزيد من هدر الموارد والعبث باقتصاد البلاد.

ومن ينادي بالتنمية في وقت اضطراب البلد هو، في النهاية، أحد شخصين: إما ساعٍ لتحقيق مصالحه الخاصة لأنه ضامن الإفلات من العقاب، أو شخص بسيط كحاطب الليل.

الانقسام السياسي والمؤسساتي ترك أثرًا مباشرًا على الاقتصاد الليبي، وعلى قدرة البلاد على جذب الاستثمارات ومعالجة الأزمات. تردي الخدمات العامة، من التعليم والصحة والكهرباء، وتراجع مستوى معيشة المواطن الليبي، يمثلان الدليل الأوضح على حجم هذا التأثير.

في المقابل، تظهر فجوة هائلة في الدخول بين الفئات المسيطرة على صناعة القرار محليًا، من الجهات التشريعية والهيئات التابعة لها، والمجلس الرئاسي، ومجلس الدولة، والقضاء، والحكومة ووزرائها ووكلائها، وبين عامة الليبيين الذين يتقاضون مرتبات بالكاد تسد الرمق.

المرتبات السنوية التي تحصل عليها بعض الفئات المسيطرة على صناعة القرار يمكن أن تمثل رأس مال للمواطن العادي لإقامة مشروعه الخاص، بينما يعيش المواطن الليبي على دخل محدود لا يوفر له الحد الأدنى من متطلبات الحياة.

وتظهر آثار ذلك في انتشار سوء التغذية والأمراض المصاحبة لها على محيا كثير من الليبيين، لتصبح الأمراض المنتشرة مؤشرًا على عمق الأزمة المعيشية.

اعتماد الدولة على 95 بالمئة من دخلها المحلي الإجمالي من قطاع النفط، وغياب أي قيمة مضافة حقيقية من عمل القطاعين الخاص والعام، يمثلان خير دليل على هدر الوقت قبل الموارد في بناء اقتصاد متنوع ومتين.

الإصلاح الاقتصادي العاجل يبدأ بمكافحة الفساد والضرب بيد من حديد على كل من يعبث بموارد البلاد أو ينهبها، سواء تحت غطاء رجال الأعمال أو دعاة التنمية الزائفة.

المطلوب سن تشريع من أين لك هذا؟، وتسيير اقتصاد البلاد بأدوات اقتصاد الأزمة، إلى جانب الإيقاف الفوري لكل الإعفاءات الضريبية أو رسوم الخدمات العامة بحجة دعم القطاع الخاص.

كما أن إيقاف برامج التفريط في ممتلكات البلاد عبر فخ الخصخصة، ووقف التدخل الخارجي عبر أذرعه الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، يمثلان خطوات ضرورية لاستعادة القرار الاقتصادي.

في النهاية، لا يمكن بناء اقتصاد ليبي قوي من دون أن تنتزع الدولة الليبية سيادة صناعة القرار الاقتصادي، وأن تتحول الثروة النفطية من مجرد مورد خام إلى قاعدة لبناء اقتصاد منتج ومتنوع، يخلق القيمة ويمنح المواطن حقه في التنمية والعيش الكريم.

 

المصدر: موقع عين ليبيا

What do you think?

0 نقاط
Upvote Downvote

الزحاف: حكومة الدبيبة أنجزت في ملف الإسكان بعد 17 عاما من الإخفاقات

رئيس أعيان صرمان للرائد: نحمل الحكومة مسؤولية الأوضاع الأمنية ونطالبها بحل جذري