in

قبل أن نبني الدولة… علينا أن نبني فكرتها

 

ليست أزمة ليبيا فيمن يحكم، بل في الفكرة التي يحكم بها.

فمنذ عقود، يتغير القادة، وتتبدل الحكومات، وتُوقَّع الاتفاقات، لكن الدولة لم تولد في ليبيا حتى الآن،

والسبب أن الصراع يدور حول السلطة، لا حول الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه السلطة.

الدول لا تُبنى بالقوة وحدها، ولا بالانتخابات وحدها، ولا بالدساتير وحدها، وإنما تُبنى أولًا بفكرة جامعة يؤمن بها الجميع، وتصبح مرجعًا أعلى من الأشخاص والأحزاب والمناطق والمصالح.

هذه الفكرة، في تقديري، هي “المواطنة”

“المواطنة” ليست شعارًا سياسيًا، بل عقدًا أخلاقيًا وقانونيًا يجعل قيمة الإنسان مستمدة من كونه مواطنًا، لا من قبيلته، ولا مدينته، ولا انتمائه السياسي، ولا قربه من السلطة.

فعندما تصبح “المواطنة” هي معيار الحقوق والواجبات، تتحول الدولة من غنيمة يتقاتل عليها الجميع إلى مؤسسة يخدمها الجميع.

لقد أرهقتنا في ليبيا ثقافة الغلبة؛ غلبة السلاح على القانون، وغلبة الأشخاص على المؤسسات، وغلبة الولاءات الضيقة على المصلحة الوطنية، وكل منتصر يظن أنه قادر على احتكار الدولة، ثم يكتشف أن الدولة لا تُحتكر، بل تنهار عندما يحاول أحد امتلاكها.

إن الدولة الحديثة لا تحتاج إلى منتصرين، بل تحتاج إلى شركاء، ولا تحتاج إلى أغلبية تُقصي الأقلية، ولا إلى أقلية تُعطِّل الأغلبية، وإنما تحتاج إلى نظام يجعل الجميع رابحين؛ لأن الجميع شركاء في الوطن.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: من يحكم ليبيا؟ بل: ما الفكرة التي ستجعل كل ليبي يقبل بنتيجة الحكم، حتى عندما لا يكون هو الفائز؟

الإجابة ليست في مزيد من الصراع، وإنما في ترسيخ مبدأ بسيط وعظيم، وهو أن الدولة ملك لجميع مواطنيها، وأن السلطة وظيفة لخدمة الدولة، وليست وسيلة لامتلاكها.

عندما تصبح هذه الفكرة جزءًا من وعينا الجمعي، ستصبح الانتخابات وسيلة للاستقرار لا للصراع، وستصبح المعارضة شريكًا في حماية الدولة لا خصمًا لها، وستتحول المؤسسات إلى مرجعية أعلى من الأفراد.

فالدول العظيمة لا تبدأ ببناء القصور والجسور والمعسكرات، بل ببناء الفكرة.

وإذا صلحت الفكرة، صلحت السياسة، وصلحت المؤسسات، وصَلُح الوطن.

What do you think?

0 نقاط
Upvote Downvote

وزارة الكهرباء: إعادة التغذية عبر الربط الليبي–المصري لبدء استعادة الشبكة الكهربائية تدريجيًا

حرشاوي: واردات ليـبيا من الوقود ترتفع 5.5% خلال النصف الأول من 2026