in

هل تدفع البطالة الشباب نحو المؤسسة العسكرية؟

 

في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، كان مصطلح “الجيش” في نظر الشباب الليبي مرادفًا للرعب والمجهول. وكانت الرغبة في الالتحاق به طواعية شبه معدومة، حتى إن أكبر همّ الشاب، خصوصًا من مواليد الستينيات آنذاك، كان كيف يهرب من الجيش.

كانت مغامرات القذافي في أوغندا وتشاد ولبنان وغيرها كفيلة بجعل “التجنيد الإجباري” كابوسًا حقيقيًا.

لهذه الأسباب، فُرضت سياسة التجنيد الإجباري والخدمة الوطنية الإلزامية لمدة سنتين بعد التخرج، ووجد كثير من الشباب أنفسهم عسكريين دون إرادتهم. فمن رسب أو حصل على تقدير ضعيف في الإعدادية أو الثانوية وجد نفسه عسكريًا، ومن كان ذاهبًا إلى مباراة كرة قدم وجد نفسه عسكريًا، ومن خرج إلى زردة أو كان مسافرًا أو حتى ذاهبًا للتنزّه أو إلى البحر وجد نفسه عسكريًا وبرقم عسكري. هذا فضلًا عن تجربة عسكرة المدارس الإعدادية والثانوية، وحتى كبار السن وجدوا أنفسهم في تشكيلات جديدة مثل المقاومة، والمناوبة الشعبية، والضابط المعلم، وغيرها من المسميات.

في ذلك الوقت، كان الحصول على تقرير طبي مكتوب فيه “غير لائق” يُعد قمة الانتصار، وكأنه “عمر جديد” يُكتب للشاب، خوفًا من الموت أو الأسر في صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل، أو من قضاء سنوات عمره في نقاط استطلاع بأقصى الصحراء.

اليوم، كل هذا تغيّر.

فبعد 17 فبراير، ورغم غياب التجنيد الإجباري وعدم وجود خدمة وطنية إلزامية، بدأ إقبال غير مسبوق من الشباب على الالتحاق بالجيش والكتائب والأجهزة الأمنية طواعية. وكل شهر نسمع عن تخريج دفعات جديدة، حتى لم تعد هناك حاجة لفرض الخدمة الوطنية الإلزامية.

وتشير تقارير ديوان المحاسبة إلى أن عدد منتسبي قطاعي الدفاع والداخلية وحدهما تجاوز 600 ألف منتسب، وهو رقم قد لا يشمل الأجهزة المستقلة والكتائب الأخرى.

هذا التحول الكبير، من الهروب من التجنيد إلى التهافت على الالتحاق بالمؤسسة العسكرية، ليس مجرد تغيير في المزاج العام أو في مفهوم الوطنية. ففي ظل غياب القطاع الخاص وتوقف مشاريع التنمية، أصبحت الرواتب الحكومية المصدر الرئيسي للدخل بالنسبة إلى شريحة واسعة من الليبيين، وأصبحت المؤسسات العسكرية والأمنية أكبر جهة توظيف، مع توفير مرتبات تُعد مجزية نسبيًا وتُصرف بانتظام لشباب يعانون من البطالة.

إلى جانب ذلك، تلعب الاعتبارات القبلية والجهوية دورًا مهمًا، إذ ينتمي كثير من المنتسبين إلى كتائب يقودها أشخاص يمثلون قبائلهم أو مناطقهم، فأصبح الولاء للقبيلة أو المنطقة، في كثير من الحالات، دافعًا للانضمام أكثر من الولاء للدولة.

كما أن غياب الرؤية الاستراتيجية للدولة أسهم في تكريس هذا الواقع، فأصبحت الدولة تتحمل رواتب هذا العدد الضخم من منتسبي الأجهزة الأمنية والعسكرية دون مردود إنتاجي أو اقتصادي واضح، وهو ما يستنزف الميزانية العامة، ويحد من فرص التنمية الاقتصادية الحقيقية، ويزيد من تعقيد المشهد المالي للدولة.

What do you think?

0 نقاط
Upvote Downvote

شحنات قياسية للكوكايين باتجاه ليبيا.. الوجهة أم المعبر؟

خفر السواحل يعيد 12 ألفا من البحر المتوسط إلى ليبيا خلال العام الجاري ‏ ‏