in

تهريب الوقود في ليبيا قراءة موضوعية في آلية منظومة التوزيع وتحديد المسؤوليات

تسعى هذه القراءة إلى توضيح آلية عمل منظومة توزيع الوقود في ليبيا، وبيان اختصاصات الجهات ذات العلاقة وفقالأطر القانونية والإدارية، انطلاقًا من أن فهم الأدوار والمسؤوليات يمثل خطوة أساسية في أي نقاش يهدف إلىمعالجة ظاهرة تهريب الوقود والحد منها.

كلما أُثير ملف تهريب الوقود، تتجه أصابع الاتهام مباشرة إلى شركة البريقة لتسويق النفط، وكأنها الجهة التي تتحكمفي جميع مراحل تداول الوقود حتى وصوله إلى المستهلك. غير أن فهم آلية عمل منظومة التوزيع يوضح أين تبدأمسؤولية كل جهة وأين تنتهي.

شركة البريقة هي الذراع المسؤولة عن استلام الوقود وتخزينه وضخه وفق مخصصات معتمدة، من خلال منظومةإلكترونية تسجل جميع عمليات الصرف، بحيث لا تغادر أي شحنة من المستودعات إلا بموجب مستندات رسميةتحدد نوع المنتج وكميته والجهة المستلمة ووسيلة النقل.

أما شركات التوزيع المالكة والمشغلة لمحطات الوقود، فهي تستلم كميات محددة وفق مخصصات معتمدة لايمكن تجاوزها إلا عبر الإجراءات الرسمية. وكذلك الشركات والمصانع والجهات العامة والخاصة المدرجة بمنظومةالمبيعات، تُخصص لها الكميات بناءً على احتياجات تعتمدها لجنة الاحتياجات، وفق ضوابط محددة ومعاييرتشغيلية.

وفيما يتعلق بالجهات ذات الطبيعة السيادية، مثل قطاع الكهرباء، والمؤسسة العسكرية، وبعض المشروعاتالاستراتيجية، فإن تزويدها يتم وفق احتياجاتها التشغيلية وبناءً على مراسلات رسمية معتمدة، باعتبارها جهات تقدمخدمات لا تحتمل الانقطاع.

ومن المهم أيضًا توضيح نقطة يجهلها كثيرون، وهي أن شركة البريقة ليست جهة ضبط أو تحرٍ أو تفتيش، وليستمن اختصاصها تتبع الشحنات بعد تسليمها للجهة المستلمة أو إجراء التفتيش على المحطات أو شركات التوزيع أوالمصانع، فهذه اختصاصات أصيلة للجهات الرقابية والضبطية المختصة.

كما أن العقود المبرمة مع شركات التوزيع أو مع الشركات والجهات العامة والخاصة لا تمنح شركة البريقة سلطةإيقاف التزويد أو إلغاء المخصصات من تلقاء نفسها، وإنما يتم ذلك استنادًا إلى قرارات صادرة عن الجهات المختصةبعد ثبوت المخالفة، وفي مقدمتها مكتب النائب العام والجهات الرقابية والتنفيذية ذات العلاقة، والتي سبق أنأصدرت قرارات بإيقاف محطات وشركات ثبت ارتكابها مخالفات.

ولا يعني ما سبق نفي وجود حالات تهريب أو تجاوزات، وإنما التأكيد على أن تحديد المسؤولية يجب أن يتم وفقمسار الشحنة واختصاص كل جهة، لا وفق الانطباعات أو الاتهامات العامة. فإذا ثبت أن هناك تجاوزًا بعد استلامالوقود، فإن المسؤولية تقع على من ارتكب المخالفة، ويكون دور الجهات الرقابية والضبطية هو الكشف عنها واتخاذالإجراءات القانونية اللازمة.

وفي المقابل، فإن الحديث عن توزيع الاختصاصات لا يعني أن أي جهة بمنأى عن التطوير أو تحسين أدائها، فمواجهةظاهرة تهريب الوقود تتطلب تعزيز التكامل بين جميع الجهات المعنية، وتطوير الإجراءات والأنظمة، ورفع كفاءةتبادل المعلومات، والاستفادة من التقنيات الحديثة في تعزيز الرقابة على حركة الوقود، بما يسهم في الحد من فرصالتجاوز، ويعزز حماية المال العام وفق المسؤوليات المحددة لكل جهة.

إن حماية الوقود المدعوم مسؤولية وطنية مشتركة، تبدأ من إحكام منظومة التخصيص والتوزيع، وتمتد إلى الرقابةالميدانية، وإنفاذ القانون، ومحاسبة كل من يثبت تورطه، أيًا كانت صفته. أما الخلط بين اختصاصات المؤسسات،فلن يسهم في معالجة الظاهرة، بل قد يصرف الانتباه عن مكامن الخلل التي تستوجب المعالجة.

هذا هو النقاش الذي ينبغي أن يُدار إذا أردنا الوصول إلى حلول حقيقية، لأن حماية المال العام تتطلب وضوحًا فيالاختصاصات، وتعاونًا بين جميع الجهات المعنية، وتطويرًا مستمرًا للمنظومة، بما يعزز الرقابة ويحد من فرصالتجاوز.

What do you think?

0 نقاط
Upvote Downvote

لأول مرة في تاريخها.. مصر تتأهل لدور الـ16 من كأس العالم بفوزها على أستراليا

الاقتصاد تنظم استيراد المبيدات الزراعية وتقتصرها على منتجات أوروبية وأمريكية وكندية