in

كم نستهلك من الوقود فعلياً؟ أربعة أرقام تلخّص 35 سنة

كل نقاش عن الوقود في ليبيا ينتهي عند رقم الدعم. لكن الدعم نتيجة، وليس سبباً. السبب يكمن في ثلاثة أشياء تغيّرت تحت أقدامنا خلال جيل واحد: قدرتنا على التكرير، وحجم ما نستهلكه، وما يحدث للوقود بعد أن تشتريه الدولة.

 

هذه الأرقام مستمدة من مصادر عامة، تشمل إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، وتقارير أوابك، وصندوق النقد الدولي، وبيانات تتبّع الناقلات.

 

كنّا نُصدّر المشتقات، فصرنا نستوردها

 

في عام 1990، كانت مصافينا تنتج 300 ألف برميل يومياً من المشتقات، بينما نستهلك 155 ألفاً. أما النصف الآخر، فكان يذهب إلى أوروبا على هيئة نافتا وزيت وقود وديزل. واستمر هذا الوضع عشرين سنة. ففي عام 2010، أنتجنا 339 ألف برميل واستهلكنا 310 آلاف.

 

ثم جاءت 2011، وبعدها توقفت مصفاة رأس لانوف في 2013، ولم تعد منذ ذلك اليوم. انهار الإنتاج إلى 59 ألف برميل في 2019، ثم تعافى جزئياً إلى 188 ألف برميل في 2024.

 

لكن انتبه إلى الرقم الأخير: 78 ألفاً منها نافتا لا نستعملها، وتُصدَّر بالكامل. وما يتبقى للسوق المحلية يبلغ نحو 110 آلاف برميل، مقابل استهلاك يصل إلى 223 ألفاً.

 

البنزين تحديداً.. من الاكتفاء إلى استيراد 90% من الاحتياجات

 

في التسعينيات، كنا نكرّر كل البنزين الذي نستهلكه، بنحو 35–45 ألف برميل يومياً. ومنذ عام 2000، بدأ الاستيراد يتزايد؛ إذ أصبح ثلثا الاستهلاك مستورداً في 2005، وأربعة أخماس في 2015، وتسعة أعشار في 2024.

 

تنتج مصافينا اليوم 11 ألف برميل من البنزين يومياً، من أصل 114 ألفاً نستهلكها. وكل برميل إضافي استهلكناه منذ 2005 جاء من أوغوستا وروتردام وأنتويرب.

 

مصفاة رأس لانوف لن تحل هذه المشكلة وحدها. فهي مصفاة تصدير بُنيت سنة 1984 لتغذية مجمّع الإيثيلين، وتنتج النافتا والكيروسين والديزل وزيت الوقود، ولا تحتوي على وحدات تحويل.

 

إن عودتها ستوفر علينا استيراد 50–60 ألف برميل من الديزل يومياً، وهذا أمر مهم، لكنها لن توفر لنا البنزين بكميات تُذكر من دون استثمار إضافي بمليار دولار، يستغرق تنفيذه من ثلاث إلى أربع سنوات.

 

هل نستهلك فعلاً كل هذا الوقود؟

 

هنا تكمن المفارقة. وفق الأرقام الرسمية، يستهلك الليبي 4.9 براميل من البنزين سنوياً. وهذا رقم خليجي؛ إذ يبلغ الاستهلاك 5.3 براميل للسعودي و6.3 للقطري، مقابل 0.6 برميل للجزائري والمصري. وذلك رغم أن دخل الليبي يعادل خُمس الدخل الخليجي، وبعدد سيارات لا يبرر هذا الفارق.

 

لنأخذ ميزان عام 2024 كاملاً: بلغ إنتاج المصافي 188 ألف برميل يومياً، والواردات 224 ألف برميل، والصادرات 78 ألف برميل، فيما وصل ما دخل السوق الليبية إلى 334 ألف برميل يومياً، مقابل استهلاك مسجّل في الإحصاءات الرسمية يبلغ 223 ألف برميل يومياً.

 

هذا يعني وجود فرق قدره 111 ألف برميل يومياً، بلا مستهلك معروف. وإذا أخذنا رقم الواردات الأعلى الذي وثّقته منظمة «ذا سنتري» (The Sentry)، وهو 41 مليون لتر يومياً، أي ما يعادل 258 ألف برميل، تصبح الفجوة 145 ألفاً.

 

جزء من هذه الفجوة له تفسير؛ فمحطات الكهرباء تحرق الديزل عندما يشحّ الغاز، وقد زادت قدرتها بنسبة 40% بين عامي 2020 و2024، وهذا الوقود يُسجَّل بطريقة لا تظهر في أرقام الاستهلاك. وأقدّر حجم استهلاكها بنحو 30–60 ألف برميل يومياً.

 

أما ما يتبقى بعد ذلك، فيتراوح بين 60 و110 آلاف برميل يومياً، أي ما يعادل 20–30% مما تشتريه الدولة، ويخرج من البلاد إلى تونس والنيجر وتشاد والسودان ومالي، وبحراً.

 

إن رقم 30% الذي يردّده ديوان المحاسبة منذ عام 2017، ومحافظ المصرف المركزي، وصندوق النقد الدولي، لا يملك أيّ منهم منهجية منشورة لاحتسابه. فرقم واحد مدوّر تتناقله ثلاث مؤسسات طوال ثماني سنوات هو رقم يُنقَل، لا يُقاس.

 

وتقديري نفسه يتوقف على رقم واحد: كم تحرق محطات الكهرباء فعلياً؟ فلو كان الاستهلاك الحقيقي 80 ألف برميل يومياً، بدلاً من 40 ألفاً، لانخفضت نسبة التهريب إلى 10–18% فقط.

 

الشركة العامة للكهرباء تستلم فاتورة عن كل لتر، والمؤسسة الوطنية للنفط تنشر شهرياً كمية الخام المسلّمة إلى محطات الكهرباء. إن إضافة سطر واحد عن الديزل في ذلك التقرير كفيلة بإنهاء هذا الجدل كله.

 

لماذا تضاعفت فاتورة الاستيراد ثلاث مرات؟

 

قفزت فاتورة استيراد الوقود من 3.5 مليار دولار سنوياً خلال الفترة 2016–2019 إلى 9 مليارات دولار في 2024. والانطباع السائد هو أن الفرق كله ناتج عن التهريب، لكن الأرقام تقول غير ذلك.

 

فقد ارتفع سعر النفط من 58 إلى 80 دولاراً للبرميل، وفق متوسط سعر خام برنت المؤرّخ سنوياً، وهو ما يفسّر مليار دولار فقط. كما كانت إحصاءات الفترة 2016–2019 ناقصة، خلال سنوات الطوابير وتقنين الاعتمادات، ودخل نحو 40 ألف برميل يومياً إلى السوق من دون أن تُسجَّل كواردات، وهو ما يفسّر 1.4 مليار دولار.

 

أما الاستهلاك المسجّل، فلم يزد إلا بمقدار 8 آلاف برميل يومياً، بما يعادل 0.3 مليار دولار. وفي المقابل، زاد التكرير المحلي بدلاً من أن ينخفض، ووفّر 2.3 مليار دولار كان يمكن أن تُضاف إلى الفاتورة. وتُقدّر كلفة استهلاك محطات الكهرباء بنحو 1.4 مليار دولار، فيما بقي 3.7 مليار دولار بلا تفسير.

 

الخلاصة: التهريب حقيقي وكبير، لكنه ربع الفاتورة لا نصفها. أما الأرباع الثلاثة الأخرى، فتُشترى بسعر عالمي وتُحرق في سيارات ليبية ومحطات كهرباء ليبية لا أحد يعدّها بدقة.

 

إن مقارنة فاتورة اليوم بفاتورة 2016، من دون النظر في الكميات، تضخّم حجم التهريب وتخفي المشكلة الأكبر: أننا بلد يستهلك كالخليج، ويكرّر كبلد صغير، ويحسب كمن لا يريد أن يعرف.

What do you think?

0 نقاط
Upvote Downvote

بالخسارة أمام المغرب بسداسية نظيفة.. ليبيا تودع كأس إفريقيا للفوتسال بنقطة واحدة

أرواح تُزهق وأرزاق تغرق.. فمن يدفع الثمن؟