في ليبيا لا تفاجئنا الأزمات بقدر ما يفاجئنا غياب مؤسسات الدولة المعنية بالاستعداد لها.
فمع كل كارثة تتكرر الخسائر وتبدأ رحلة تشكيل اللجان وحصر الأضرار، وكأن إدارة الأزمة في الحكومة لا تبدأ إلا بعد فوات الأوان!
وآخر هذه المشاهد ما شهدته العاصمة طرابلس من سيول وأمطار غزيرة أودت بحياة شخصين وتسببت في غرق عدد كبير من السيارات وألحقت أضرارًا بممتلكات المواطنين، فضلًا عن الخسائر التي تكبدها أصحاب المحال التجارية الذين وجدوا أنفسهم أمام خسائر مادية قد تمثل حصيلة سنوات من العمل والكدّ.
لكن خلف صور الشوارع الغارقة والسيارات المتضررة هناك مواطنون قد يجدون أنفسهم مضطرين لتحمل تكلفة إصلاح سياراتهم أو استبدالها، وأصحاب محال ربما فقدوا بضائعهم ورؤوس أموالهم دون أن يكونوا مسؤولين عن قصور البنية التحتية أو ضعف الاستعداد لمواجهة الظروف الجوية.
وهنا يبرز السؤال الأهم،
من يتحمل مسؤولية هذه الأضرار؟ وهل سيحصل المتضررون فعلًا على تعويضات عادلة أم سنكتفي بحصر الخسائر ثم نترك أصحابها يواجهون مصيرهم؟
لسنا بحاجة إلى لجان جديدة بقدر حاجتنا إلى نتائج واضحة، فاللجان التي تتشكل بعد وقوع الكارثة قد تكون ضرورية لحصر الأضرار وتحديد المسؤوليات لكنها يجب ألّا تكون بديلًا عن الاستعداد المسبق ولا وسيلة لتأجيل المحاسبة، والأهم أن نعرف من قصّر؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ ومتى سيحصل المتضررون على حقوقهم؟
في ليبيا يبدو أحيانًا أن لدينا استعدادًا استثنائيًا لتشكيل اللجان يقابله استعداد أقل استثنائية لمنع تكرار الكوارث وكأن مهمة الحكومة ليست منع الأزمة بقدر الإمكان قبل حدوثها بل تنظيم اجتماع عاجل لمناقشتها بعد وقوعها!
إن إدارة الأزمات الحقيقية في الحكومات تبدأ قبل هطول الأمطار بالتخطيط والصيانة والاستعداد، وتستمر أثناء الأزمة بحماية الأرواح والممتلكات، وبعدها بمحاسبة المقصرين وجبر الضرر وتعويض المتضررين وفق آليات واضحة وشفافة.
فقدان الأرواح لا يُعوَّض وخسارة المواطنين يجب ألا تتحول إلى خبر عابر، وأرزاق الناس ليست أرقامًا في تقرير لجنة.
أما السؤال الذي ينتظر المواطن إجابته فلا يتعلق بشكل اللجان التي ستُشكَّل بل بما ستنجزه فعلًا، فهل سنرى تعويضات ومحاسبة وإصلاحًا حقيقيًا أم سننتظر الأزمة القادمة لتبدأ الحكومة من جديد بتشكيل لجنة جديدة؟
وفي النهاية كل يغرق في اختصاصه
المواطن يغرق في المطر والحكومة تغرق في اللجان..

