Menu
in

أين تذهب أموال النفط؟ فجوة بمليارات الدولارات بين صادرات ليبيا وإيراداتها المحالة للمركزي

بين مليارات الدولارات من عائدات صادرات النفط، والمبالغ التي يعلن المصرف المركزي استلامها، تتجدد الأسئلة بشأن مسار الإيرادات النفطية في ليبيا، خاصة مع ارتفاع تكلفة توريد المحروقات واستمرار الضغوط على النقد الأجنبي.

 

وفي ظل تبادل البيانات بين المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي، يبرز سؤال حول كيف تُحصّل الإيرادات؟ وأين تُوجّه؟ وما أسباب الفروقات بين الأرقام المعلنة؟

المركزي: ما وصل فعليًا إلى الحسابات

أعلن المركزي أن إجمالي الإيرادات النفطية المحولة إلى حساباته خلال الفترة من 1 إلى 14 أكتوبر بلغ 361 مليون دولار، فقط لا غير، استنادًا إلى سجلاته المصرفية، مطالبًا بالتمييز بين قيمة صادرات النفط والمبالغ التي تصل فعليًا إلى حساباته.

هذا البيان أحدث حالة من الضجيج، ردت عليه مؤسسة النفط فورًا ببيان مضاد أكدت فيه أن إجمالي المبالغ المحولة إلى الحساب السيادي لدى المصرف الليبي الخارجي تجاوز 1.23 مليار دولار حتى 13 أكتوبر، وقدمت توضيحات بشأن آلية تحويل الإيرادات.

وسرعان ما انتقل هذا السجال إلى السوق الموازية للعملة الصعبة، حيث سجل سعر صرف الدولار 10.25 دنانير، وبالصكوك 10.39 دنانير، في ظل هذا الوضع الضبابي للدخل الرئيس للدولة.

خصم قيمة واردات المحروقات

المؤسسة قالت إن المبالغ تخضع لآلية مالية معتمدة تقضي باستقطاع ما يقابل قيمة اعتمادات توريد المحروقات عبر المصرف الليبي الخارجي، وفقًا لقرار مجلس الوزراء رقم 525 لسنة 2026، وإحالة الرصيد المتبقي إلى مصرف ليبيا المركزي.

وأوضحت المؤسسة أنها أبلغت محافظ المصرف المركزي، في 8 أكتوبر، بأن قيمة المبالغ المحالة تجاوزت 700 مليون دولار، معتبرة أن عدم تضمين هذه البيانات في بيان المصرف يثير تساؤلات بشأن اكتمال المعلومات المعروضة، ويستدعي إيضاحًا رسميًا يضع الحقائق أمام الرأي العام.

مطالب بالتحقيق

طالبت المؤسسة مكتب النائب العام بفتح تحقيق شامل ومستقل في البيانات والأرقام الواردة في بيان المصرف المركزي، والتحقق من إجمالي المبالغ المحالة وآلية تسويتها.

ورد المركزي بالترحيب بأي إجراءات رقابية أو مراجعات مستقلة تجريها الجهات المختصة، بما فيها مكتب النائب العام، للتحقق من سلامة البيانات.

وقال المركزي إن مقتضيات الشفافية والإفصاح تستوجب إظهار كامل دورة الإيرادات النفطية، بدءًا من تحصيلها وإيداعها، مرورًا بأوجه استخدامها وأي مبالغ مستقطعة منها، وصولًا إلى صافي الإيرادات المحالة فعليًا.

حجم السرقات كبير

أستاذ الاقتصاد عبد الحميد الفضيل يرى أن بيان المركزي يحمل رسالة مبطنة بأن هناك تضخيمًا في تكلفة توريد المحروقات، الأمر الذي نتج عنه تدنٍّ في الإيرادات النفطية المحالة، ما سيؤدي إلى تفاقم أزمة سعر الصرف وتعميق عجز النقد الأجنبي التراكمي.

وقال الفضيل إن بيانات المركزي ومؤسسة النفط تشير إلى خلاف عميق بينهما بدأ الآن يطفو على السطح، وإن حجم السرقات والفساد كبير جدًا في ملف المحروقات.

وبيّن أن تكاليف توريد المحروقات قفزت بصورة مرعبة من 250 مليون دولار شهريًا (قبل نظام المقايضة) لتصل إلى ما يقارب مليار دولار شهريًا خلال الأشهر التسعة الأولى لعام 2026!

تحديد المسؤوليات

من جانبه، يرى أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي علي الشريف، أن وصول 361 مليون دولار فقط إلى حسابات المصرف المركزي خلال النصف الأول من أكتوبر، وفق بيان المصرف، يثير تساؤلات بشأن مسار الإيرادات النفطية، خصوصًا في ظل ارتفاع أسعار النفط.

وحذّر الشريف من انعكاسات نقص تدفقات النقد الأجنبي على سعر الصرف، داعيًا النائب العام إلى التحقيق في الخلاف بين المؤسسات المعنية، وكشف أسباب الفروقات ومصير الإيرادات، باعتبارها أموالًا عامة تعود ملكيتها إلى الليبيين.

كما دعا إلى تحرك اقتصادي عاجل لوضع تصور لمعالجة الاختلالات المالية والنقدية، مؤكدًا ضرورة الانتقال من تبادل التصريحات إلى تحديد المسؤوليات استنادًا إلى البيانات والوثائق.

مسؤولية مشتركة

الخبير الاقتصادي إدريس الشريف يقول، إن تبادل الاتهامات لن يعفي أحدًا من المسؤولية، مؤكدًا أن المسؤولية عن هذا الخلل المدمر مشتركة.

وأوضح في تدوينة له، أن أي تجاوزات أو ضياع للإيرادات من المنبع بأي وجه، أو شبهات فساد، تستوجب التحقيق والمساءلة.

وأضاف أن المصرف المركزي مسؤول عن سوء إدارة النقد الأجنبي وعجزه عن ضبط استخداماته، خصوصًا الاعتمادات والحوالات، فضلًا عن مسؤوليته عن تمويل الإنفاق المنفلت بالعجز خارج ميزانية معتمدة وتراكم الدين العام.

وتابع أن المسؤولية الأوسع تشمل جميع الجهات التنفيذية والتشريعية والرقابية وحتى القضائية التي سمحت باستمرار هذه الاختلالات الكبيرة، وعجزت عن فرض الانضباط المالي وضمان الشفافية والمحاسبة.

وطالب بكشف واضح للإيرادات من البئر إلى الخزانة، وللمصروفات من الاعتماد إلى المستفيد.

وأردف “فبغير الشفافية والمساءلة والمحاسبة، ستظل الاتهامات تتبادلها المؤسسات، بينما يدفع المواطن وحده ثمن الفشل والانهيار”.

4 مليارات في 9 أشهر

وفي إحاطتها أمام مجلس الأمن كشفت المبعوثة الأممية هانا تيتيه في إحاطتها، بلوغ قيمة توريد 8.15 ملايين طن وقود خلال 9 أشهر، 8.9 مليارات دولار، مع تقديرات بتهريب 30% إلى 50% منها بخسائر تبلغ 4.4 مليارات دولار.

وأضافت أن هذا تسبب خسائر مالية فادحة للدولة تقييد قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه مواطنيها، بما في ذلك دفع الرواتب، والاستثمار في صيانة البنية التحتية.

أرقام ديوان المحاسبة

أظهرت بيانات تقرير ديوان المحاسبة عن إنتاج النفط الخام والصادرات والإيرادات المحصلة خلال الفترة من يناير إلى يوليو 2026، أن إنتاج النفط الخام بلغ نحو 287.9 مليون برميل، فيما وصلت الكميات المصدرة إلى 193.4 مليون برميل، بقيمة إجمالية بلغت 18.46 مليار دولار، بينها 663.6 مليون دولار من مبيعات المكثفات والمنتجات النفطية.

وبحسب التقرير، بلغت المبالغ المحالة إلى مصرف ليبيا المركزي نحو 11.16 مليار دولار، مقابل 15.789 مليار دولار محصلة لدى المصرف الليبي الخارجي، في حين وصلت تكلفة توريد المحروقات من الخارج إلى 6.122 مليارات دولار، مقابل توريد نحو 6.11 مليون طن متري عبر 207 شحنات خلال الفترة نفسها.

وأشار التقرير إلى انتهاء العمل بنظام المبادلة في توريد المحروقات في 12 فبراير 2026، والانتقال إلى نظام فتح الاعتمادات المستندية وتغطيتها من الإيرادات النفطية.

بين أرقام الصادرات والتحويلات.. أين تكمن الفروقات؟

وبحسب بيانات المؤسسة الوطنية للنفط، بلغ متوسط إنتاج الخام نحو 1.341 مليون برميل يوميًا خلال سبتمبر الماضي، فيما أعلنت المؤسسة في أكتوبر تجاوز الإنتاج 1.4 مليون برميل يوميًا.

وبلغ متوسط سعر خام برنت نحو 114.16 دولارًا للبرميل في سبتمبر، مقابل 126.21 دولارًا في أكتوبر حتى تاريخ البيانات المنشورة، بزيادة تقارب 10.6%، وفق بيانات أسعار النفط.

وتُظهر بيانات الفترة من يناير إلى يوليو 2026 فارقًا حسابيًا بنحو 7.3 مليارات دولار بين قيمة صادرات النفط والمبالغ المعلنة إحالتها إلى المصرف المركزي، ونحو 2.67 مليار دولار بين قيمة الصادرات والمبالغ المعلنة تحصيلها لدى المصرف الليبي الخارجي.

وفي ضوء هذه الأرقام والتباينات بين بيانات المؤسسات المعنية، ما الأسباب الحقيقية وراء الفجوة بين قيمة صادرات النفط الليبي والمبالغ المحالة إلى المصرف المركزي؟ وهل تعكس هذه الفروقات تكاليف توريد المحروقات وآليات تسوية الإيرادات، أم تكشف عن اختلالات مالية تستوجب المساءلة؟ ومن يتحمل المسؤولية عن ضمان وصول الإيرادات النفطية إلى الخزانة العامة وحماية المال العام؟

Exit mobile version