بين جمهور يطمح إلى مشاهدة دوري ليبي قوي ومنافس، ومسؤولين يقولون إن هدفهم استكمال المسابقة، تقف كرة القدم الليبية أمام مفارقة لافتة: أندية تنفق مبالغ كبيرة لاستقطاب نجوم محترفين، في وقت يُدار فيه الدوري بنظام يختزل المنافسة على اللقب في مباراة واحدة.
دوري غني.. ونظام فقير
خلال السنوات الأخيرة، أصبح الدوري الليبي محط أنظار المتابعين في المنطقة العربية والقارة الإفريقية، خصوصًا مع ارتفاع مستوى التعاقدات واستقطاب أسماء بارزة.
وتشهد النسخة الحالية طفرة غير مسبوقة في تعاقدات الأندية، مع حضور أسماء مثل المغربي سفيان بوفال، والكونغولي جياني إيمبولا، والسنغالي كامارا، ولاميك باندا القادم من الدوري الإيطالي، إلى جانب مهاجم تونس فراس شواط، وغيرها من الصفقات التي رفعت سقف التوقعات بشأن مستوى المنافسة.
لكن المفارقة أن دوريًا يضم كل هذه الأسماء، سيُحسم لقبه وفق نظام أقرب إلى الكأس منه إلى بطولة الدوري، بعدما تقرر إقامة المرحلة النهائية من مجموعتين، ذهاب وإياب، على أن يلتقي متصدر كل مجموعة في مباراة نهائية لتحديد البطل.
قرار بالتصويت.. ومنافسة تختصر في 90 دقيقة
قرار اعتماد هذا النظام جاء عبر تصويت أعضاء المكتب التنفيذي للاتحاد الليبي لكرة القدم، لتجد أندية نفسها أمام صيغة يرى منتقدوها أنها لا تمنحُ المنافسةَ على اللقب المساحةَ الكافية.
فبعد موسم طويل ومنافسة بين الأندية، يمكن أن يتحدد مصير البطولة في 90 دقيقة وحدها، وهو ما أثار جدلًا بين المتابعين والصحفيين الرياضيين، خصوصًا في ظل ارتفاع قيمة اللاعبين وتطور مستوى التعاقدات.
وفي هذا السياق، رصدت شبكة الرائد آراء عدد من الإعلاميين الرياضيين حول شكل المرحلة النهائية من الدوري الممتاز.
الصادق: تجربة أي نظام جديد أمر طبيعي
يرى الإعلامي الرياضي فؤاد الصادق أن تجربة أي نظام جديد أمر طبيعي في ظل الظروف التي تعاني منها كرة القدم الليبية، معتبرًا أن الأهم هو منح النظام فرصة حقيقية للحكم عليه.
ويقول الصادق، في تصريح للرائد، إن المعيار الأهم لا يتعلق بشكل المنافسة وحده بل بانتظام الدوري ووجود روزنامة واضحة ومعلنة، بعيدًا عن التوقفات والتأجيلات.
ويضيف أن تحقيق الاستقرار في مواعيد المباريات سيكون مكسبًا كبيرًا للكرة الليبية، بغض النظر عن شكل النظام المعتمد.
بلحاج: لن نجد شكلًا للدوري أسوأ من هذا
في المقابل، يصف الإعلامي الرياضي عبد الرزاق بلحاج، شكل الدوري هذا الموسم بأنه الأسوأ، قائلًا “لو جمعنا أسوأ فترات كرة القدم الليبية خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة، فلن نجد شكلًا للدوري أسوأ من شكله الحالي”.
ويرى بلحاج، في تصريح للرائد، أن ذلك يحدث رغم تطور اللعبة وارتفاع أسعار اللاعبين وتوفر عدد أكبر من الملاعب.
وينتقد بلحاج طريقة اتخاذ القرار، معتبرًا أن استخدام عبارات من قبيل “صدرت التعليمات” لا ينسجم مع إدارة مسابقة رياضية، مضيفًا أن تقديم القرار على أنه نتاج تصويت داخل مجلس الإدارة يثير بدوره تساؤلات، خاصة مع غياب توقيع رئيس الاتحاد، وفق رأيه.
ويطرح بلحاج سؤالًا آخر يتعلق بآلية الهبوط، قائلًا: لماذا حُدد شكل التتويج ولم تُحدد آلية الهبوط؟ معتبرًا أن الصراع على عدد الأندية الهابطة كان دائمًا من أكثر الملفات تأثيرًا في شكل المسابقة.
البوعيشي: 90 دقيقة لا تعطي الموسم حقه
أما الإعلامي الرياضي مهند البوعيشي، فيرى أن نظام المجموعتين أفضل من نظام المجموعات الأربعة، لأنه يمنح الدوري إيقاعًا أقوى ومنافسة أكثر حدة.
لكن البوعيشي يتحفظ، في تصريح للرائد، على حسم اللقب في مباراة واحدة، معتبرًا أن 90 دقيقة لا تمنح موسمًا كاملًا حقه.
ويؤكد البوعيشي أن العدالة الرياضية تقتضي أن يُحسم اللقب عبر منافسة حقيقية تمتد على أكثر من مباراة، وليس من خلال مباراة فاصلة واحدة.
القزيري: مباراة نهائية لا تكفي
بدوره، يرى الإعلامي الرياضي عمر القزيري أن اختزال موسم كامل في مباراة نهائية يمثل ضغطًا نفسيًا أكثر منه منافسة عادلة.
ويعتقد القزيري، في تصريح للرائد، أن استمرار المنافسة عبر أكثر من مرحلة من شأنه إنتاج دوري أكثر جودة، خصوصًا مع العدد الكبير من اللاعبين المحترفين الذين استقطبتهم الأندية الليبية.
ويضيف أن هذا النظام يمكن أن يرفع مستوى المتابعة الجماهيرية محليًا وخارجيًا، ويعزز قدرة الأندية الليبية على المنافسة قاريًا وإقليميًا، معتبرًا أن نظام المجموعتين يمكن أن يكون خطوة نحو دوري أكثر تنافسية فنيًا.
الحطاب: المشكلة ليست شكل الدوري بل طريقة تحديده
من جانبه، يرى الإعلامي الرياضي الفيتوري الحطاب أن شكل الدوري ليس المشكلة الأساسية بقدر ما تكمن المشكلة في الطريقة التي جرى بها تحديد هذا الشكل.
ويتساءل الحطاب في تصريح للرائد: “هل يعقل أن يُقرَّر مصير 28 ناديًا في تصويت؟”، معتبرًا أن ذلك يمثل امتدادًا لما وصفه بتراكمات التخبط الإداري الذي تعاني منه كرة القدم الليبية.
بين نظام المنافسة وقرار منع الجمهور
وبينما يدور الجدل حول شكل المنافسة وآلية حسم اللقب، تواجه كرة القدم الليبية أزمة أخرى تتعلق بحضور الجمهور.
ففي الوقت الذي كانت فيه الأندية تستثمر مبالغ كبيرة في استقطاب اللاعبين، جاء قرار إقامة مباريات الدوري دون حضور جماهيري ليضيف قيدًا جديدًا على المسابقة، ويضعها أمام مفارقة أخرى: أموال كبيرة تُنفق على بناء فرق تنافسية، مقابل مدرجات خالية من الجمهور.
وهكذا يجد الدوري الممتاز نفسه أمام معادلة صعبة، بين أندية تتحرك نحو الاحتراف من خلال صفقات كبيرة، وجمهور يبحث عن منافسة حقيقية، ومدرجات ممتلئة، في حين لا تزال طريقة إدارة المسابقة وقراراتها التنظيمية تثير الجدل.
السؤال الذي يبقى مطروحًا ليس فقط: من سيتوج بطلًا؟
بل: هل تستطيع كرة القدم الليبية أن تستفيد من الأموال التي تُنفق على الأندية واللاعبين، وتحوّلها إلى دوري منتظم وتنافسي وجماهيري، يليق بحجم هذه الاستثمارات؟


