كشف تحليل مستقل أعدته مؤسسة «صحرا إنتليجنس» عن حجم واسع من التزوير المتسلسل والممنهج في نظام السجلات المدنية الليبي، مشيرًا إلى أن بعض عمليات التزوير التي كُشفت خلال السنوات الأخيرة تعود جذورها إلى تسعينيات القرن الماضي، قبل أن تظهر لاحقًا خلال عمليات التدقيق والمراجعة الأرشيفية.
وأوضح التحليل، الذي حمل عنوان «تزوير الجنسية النظامي في ليبيا: تحقيق قائم على البيانات»، أن القضية لا تقتصر على تزوير وثائق منفردة، بل تمتد إلى التلاعب بالبنية الرسمية للسجل المدني وإنشاء هويات تبدو قانونية داخل النظام نفسه، بما يهدد سيادة القانون والأمن الوطني والهوية الليبية.
واستندت المؤسسة إلى 66 منشورًا رسميًا صادرًا عن مكتب النائب العام حتى أبريل 2026، لتتبع أنماط تزوير الجنسية والهوية خلال فترة تحليل امتدت 43 عامًا، من 1982 إلى 2025. وقدر التحليل عدد الأفراد المتورطين في الحالات التي جرى رصدها بأكثر من 4 آلاف شخص، إلى جانب 10 آلاف و620 أسرة، فيما بلغ عدد ملفات الجنسية المهددة بالتزوير 278 ألفًا و969 ملفًا.
من تزوير الوثائق إلى تصنيع الهوية
وبحسب التحليل، تنوعت أساليب التلاعب بين إدخال سجلات غير قانونية إلى قيود العائلات، وإنشاء أسر وهمية أو إضافة أجانب إلى أسر ليبية، والتلاعب بقواعد بيانات السجل المدني، فضلًا عن استغلال الهويات الوطنية للحصول على وظائف أو رواتب ومزايا عامة بصورة غير قانونية.
كما رصد التحليل وجود شبكات منظمة تتعامل مع تزوير الجنسية باعتباره نشاطًا تجاريًا، إلى جانب استغلال وثائق وسجلات أرشيفية قديمة تعود إلى عقود مضت، وهو ما يعكس، وفق المؤسسة، خللًا هيكليًا طويل الأمد في إدارة السجلات المدنية.
ويرى التحليل أن الأخطر في هذه الممارسات هو الانتقال من مجرد «تزوير الوثائق» إلى ما وصفه بـ«تصنيع الهوية»، عبر التلاعب بالسجلات الرسمية نفسها، بما يسمح بإنشاء هوية قانونية جديدة أو إعادة استخدام قيود عائلية قديمة أو بيانات أشخاص متوفين.
ثغرات داخل منظومة السجل المدني
وحدد التحليل خمس ثغرات رئيسية ساعدت على استمرار عمليات التلاعب، أبرزها عدم انتقال ملكية الشيفرة المصدرية للنظام بالكامل إلى الدولة، وغياب خادم مستقل لتدقيق البيانات، وعدم وجود نظام موافقات متعدد المراحل على إدخال وتعديل السجلات.
كما أشار إلى استمرار الاعتماد على المصادقة اليدوية للوثائق، إضافة إلى التأخر في إغلاق سجلات المتوفين، بما قد يتيح إعادة استخدام هويات مرتبطة بأشخاص متوفين.
وحذر التحليل من تداعيات هذه الثغرات على قاعدة بيانات الهوية الوطنية، ونزاهة الانتخابات، والرواتب والدعم الحكومي، فضلًا عن المخاطر الأمنية المرتبطة باستغلال الهويات المزورة في التهريب والجريمة المنظمة والتهرب من الملاحقة القانونية.
تورط موظفين وسوق لبيع الهوية
وأشار التحليل إلى أن عمليات التلاعب لم تكن مقتصرة على أطراف خارجية، إذ كشف تدقيق وطني عن توقيف 10 موظفين في السجل المدني بمختلف دوائر الاستئناف، من بينهم رؤساء مكاتب وأقسام وموظفون إداريون ومتخصصون في تقنية المعلومات ومديرون.
كما رصد مؤشرات على وجود سوق لبيع الهوية الليبية، مع تفاوت الأسعار التي وثقتها الحالات بين 600 دينار و70 ألف دينار، إلى جانب حالات أخرى تضمنت مبالغ بعشرات الآلاف من الدينارات مقابل الحصول على قيود أو أرقام وطنية.
ولفت التحليل إلى تورط أو استفادة أشخاص من جنسيات أجنبية في عدد من الحالات، مع تسجيل 12 حالة مرتبطة بمصريين، وثلاث حالات لكل من تشاديين وتونسيين، وحالتين لمغاربة، إلى جانب حالات مرتبطة بماليين ونيجيريين. كما أشار إلى قضية شملت 225 ماليًا في عمليات نقل قيود بين مكاتب في أوباري وهون وسوكنة.
ظاهرة تتجاوز المدن الساحلية
وأكد التوزيع الجغرافي للحالات، وفق التحليل، أن الظاهرة لا تتركز في طرابلس أو المدن الساحلية، إذ جرى رصد 149 إشارة جغرافية موزعة على مناطق مختلفة من البلاد، مع بروز بنغازي وطرابلس وسبها وسرت كمراكز رئيسية للحالات والتحقيقات.
وفي الجنوب، سجلت سبها 18 إشارة، وأوباري خمس إشارات، فيما ظهرت ثلاث إشارات لكل من مرزق وزمزم، إضافة إلى غدامس، في حين امتد نطاق الحالات من الجنوب والغرب إلى مدن الشرق، بما يعكس اتساع الظاهرة على المستوى الوطني.
إصلاحات مقترحة
واقترح التحليل خمسة مسارات لمعالجة الخلل، تبدأ بنقل ملكية الشيفرة المصدرية للنظام إلى الدولة وإنشاء وحدة متخصصة في حوكمة البرمجيات والتدقيق الأمني، وإنشاء بنية مستقلة لتدقيق البيانات وتسجيل جميع عمليات التعديل ومستخدميها وتوقيتها وأسبابها.
كما دعا إلى فرض موافقات متعددة المراحل على إدخال وتعديل البيانات، وتحديث آليات توثيق المستندات والانتقال من الاعتماد الواسع على التوقيعات اليدوية إلى الشهادات الرقمية، إلى جانب الإغلاق الآلي لسجلات المتوفين فور تسجيل الوفاة.
وخلص التحليل إلى أن معالجة الأزمة تتطلب برنامج إصلاح مشتركًا بين النيابة العامة ووزارة الداخلية ومصلحة الأحوال المدنية، مع إمكانية الاستفادة من الدعم الفني الدولي، مؤكدًا أن حجم الحالات المكتشفة وطبيعة الأساليب المستخدمة يشيران إلى أزمة تتجاوز التزوير الفردي وتمس بنية منظومة الهوية والسجل المدني في ليبيا.

