قال رجل الأعمال حسني بي، إن إعادة هيكلة قطاع الكهرباء في ليبيا يجب ألا تقتصر على الفصل بين التوليد والنقل والتوزيع وفتح المجال أمام الاستثمار والمنافسة، بل يجب أن تبدأ بإصلاح النموذج الاقتصادي والإداري الذي يُدار به القطاع حالياً.
وأوضح بي أن الخطوة الأولى ليست البحث عن تشريع جديد بل تنفيذ ما قرره القانون القائم، مشيراً إلى أن القانون رقم (17) لسنة 1984 بشأن إنشاء الشركة العامة للكهرباء نقل النشاط من نموذج المؤسسة العامة إلى شركة ذات ذمة مالية مستقلة.
وأضاف أن الشركة، رغم ذلك، ظلت عملياً تُعامل إلى حد كبير كامتداد للميزانية العامة، إذ تتحمل الدولة تكاليف التمويل والاستثمارات والصيانة، فيما يقدم الوقود بأسعار مدعومة، بينما لا ترتبط الإيرادات والجباية بصورة حقيقية بالتكلفة والأداء.
وأكد أن إصلاح القطاع يتطلب تفعيل مفهوم الشركة بصورة فعلية، من خلال ميزانية وذمة مالية مستقلة، وحساب واضح للتكاليف والإيرادات، وحصر الأصول والالتزامات، وتعزيز الحوكمة والمساءلة، وإعداد قوائم مالية مدققة تكشف بصورة دقيقة تكلفة إنتاج ونقل وتوزيع كل كيلوواط/ساعة والجهة التي تتحمل هذه التكلفة.
إصلاح اقتصاديات الطاقة قبل إصلاح منظومة الكهرباء
وشدد بي على أن إصلاح الكهرباء لا يمكن أن ينجح من دون إصلاح اقتصاديات الطاقة، موضحاً أن تقديم الغاز والوقود المستخدم في التوليد بأسعار شبه مجانية وبيع الكهرباء بأقل كثيراً من تكلفتها الاقتصادية، إلى جانب ضعف الجباية، يؤدي إلى غياب إشارات السعر التي تحفز على الكفاءة والترشيد والاستثمار.
وقال إن الحل يتمثل في الانتقال من دعم السلعة إلى دعم المواطن، عبر تسعير الطاقة بصورة تعكس تكلفتها الاقتصادية تدريجياً، بالتوازي مع تقديم دعم نقدي مباشر للفئات المستحقة، بدلاً من استمرار الدعم المفتوح الذي يستفيد منه الغني والفقير والمستهلك الرشيد والمفرط وحتى المهرب.
الغاز والكفاءة أولاً
وأشار بي إلى أن الأولوية يجب أن تكون لتعظيم استخدام الغاز ورفع كفاءة محطات التوليد، والتوسع في محطات الدورة المركبة CCGT، مع تقليل الاعتماد على الديزل والوقود السائل مرتفع التكلفة.
وأوضح أن تكلفة القدرة الاسمية CAPEX لا تتجاوز نحو 10% من إجمالي التكلفة السنوية، مقابل نحو 90% للتكاليف التشغيلية OPEX، ولذلك فإن إضافة قدرات توليد جديدة لا ينبغي أن تكون الهدف بحد ذاته.
وأضاف أن المعيار الحقيقي يجب أن يكون تكلفة الكيلوواط/ساعة المتاح فعلياً للمستهلك، وكفاءة المحطات واستمرارية الخدمة، وليس عدد المحطات التي يتم إنشاؤها أو حجم الأموال التي تنفق عليها.
شبكة وطنية محايدة ومنافسة حقيقية
وأكد بي أن الفصل بين التوليد والنقل والتوزيع يمثل خطوة صحيحة، شريطة أن تبقى شبكة النقل الوطنية محايدة ومتاحة لجميع المنتجين وفق قواعد واضحة ومعلنة، وأن يفتح قطاع التوليد أمام المنافسة والاستثمار من خلال عقود شراء الطاقة PPA قابلة للتمويل.
ورأى أن هذا النموذج يسمح بنقل جزء من مخاطر رأس المال والتشغيل والأداء إلى المستثمر، بدلاً من تحميلها بالكامل للخزانة العامة.
وفي هذا السياق، تحفظ بي على تقسيم القطاع الخاص إلى «مستثمر» و«طفيلي»، أو التعامل مع رأس المال الوطني والأجنبي باعتبار أن لكل منهما سلوكاً مختلفاً بطبيعته.
وقال إن رأس المال ليست له جنسية اقتصادية ولا أخلاق مستقلة، وإنما تحدد القواعد والحوافز طبيعة سلوكه، مؤكداً أن المستثمر الليبي والأجنبي يجب أن يخضعا للقواعد نفسها، من حيث المنافسة والشفافية والإفصاح وتحمل المخاطر ومنع تضارب المصالح والمحاسبة على النتائج.
وأضاف أن النظام الذي يسمح بالريع والاحتكار والعمولات سيجذب السلوك الريعي أياً كانت جنسية رأس المال، بينما النظام الذي يكافئ الاستثمار والإنتاج والكفاءة سيدفع رأس المال نحو هذه المجالات.
العدادات الذكية والطاقة الشمسية تحتاج إلى سوق صحي
وأوضح بي أن العدادات الذكية والطاقة الشمسية ونظام Net Metering تمثل أدوات مهمة لتطوير قطاع الكهرباء، لكنها لن تحقق أهدافها في ظل سوق تُباع فيه الكهرباء بأسعار شبه مجانية.
وأكد أن نجاح هذه الأدوات يتطلب تعرفة اقتصادية، وقياساً فعلياً للاستهلاك، وجباية حقيقية، بالتوازي مع حماية اجتماعية مباشرة للمواطنين الذين يحتاجون إلى الدعم.
تفكيك شبكات المصالح يبدأ بإلغاء اقتصاد الريع
وفيما يتعلق بشبكات المصالح التي تنشأ حول قطاع الكهرباء، قال بي إن تفكيكها لا ينبغي أن يقتصر على الملاحقة الإدارية، بل يجب معالجة النموذج الاقتصادي الذي أنتج الريع من الأساس.
وذكر أن المطلوب هو نقل مركز الأرباح من استيراد المعدات والوقود وقطع الغيار وتكرار عقود الصيانة إلى الاستثمار والإنتاج وتوفير الكهرباء بأعلى إتاحة وأقل تكلفة.
واختتم حسني بي بالتأكيد على أن الهدف النهائي ليس مجرد إصلاح الشركة العامة للكهرباء، وإنما تحويل قطاع الكهرباء من مركز تكلفة مفتوح على الخزانة العامة إلى قطاع اقتصادي منظم ومستدام، تكون فيه الدولة جهة تنظيم وحماية للشبكة، وتتولى الشركات العامة والخاصة المنافسة حيثما تكون المنافسة ممكنة، فيما يدفع المستهلك تدريجياً تكلفة اقتصادية للطاقة مع توفير تعويض اجتماعي مباشر للمستحقين.
وأكد أن معيار نجاح الإصلاح يجب أن يقاس بتكلفة الكيلوواط/ساعة، وكفاءة محطات التوليد، ومستوى الإتاحة واستمرارية الخدمة، وليس بحجم الإنفاق أو قيمة العقود.
المصدر: منصة مال وأعمال

