قالت صحيفة «واشنطن تايمز» إن مساعي إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لفتح قطاع النفط الليبي أمام مزيد من الاستثمارات الأمريكية، تواجه عقبات متزايدة.
وأوضحت الصحيفة أن ليبيا شهدت خلال أقل من أسبوعين سلسلة من التطورات التي طالت قطاعات حيوية، شملت اغتيال أحد كبار ضباط المخابرات، وهجمات بطائرات مسيرة وانفجارات، إلى جانب أزمة في مصرف ليبيا المركزي، الأمر الذي يهدد بتقويض المساعي الأمريكية الرامية إلى تعزيز الاستقرار وتوسيع إنتاج النفط الليبي.
وأضافت أن الهجمات تسببت في انقطاع التيار الكهربائي، كما دفعت شركة جنرال إلكتريك إلى تعليق أعمالها وسحب فرقها الفنية من محطة مجاورة تعتمد عليها شركات أمريكية كبرى، من بينها شيفرون وإكسون موبيل، في إطار استعداداتهما لتوسيع نشاطهما في السوق الليبية.
وجاءت هذه التطورات، بحسب الصحيفة، بعد تفجير سيارة مفخخة في بنغازي في 10 أغسطس، أسفر عن مقتل أحد كبار ضباط المخابرات التابعين للواء المتقاعد خليفة حفتر.
وقبل ذلك بيوم، قدم محافظ مصرف ليبيا المركزي رسالة استقالته، إلا أن الاستقالة قوبلت بالرفض من جانب السلطات في كل من شرق البلاد وغربها، في تطور عكس استمرار الانقسام حول المؤسسة النقدية الرئيسية في البلاد.
وترى «واشنطن تايمز» أن البنية التحتية للطاقة، والمؤسسات الأمنية، والمؤسسة الاقتصادية الرئيسية في ليبيا، تعرضت خلال فترة زمنية قصيرة لضغوط متزامنة، وهي القطاعات الثلاثة نفسها التي حددها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس ترامب للشؤون العربية والأفريقية، خلال حديثه في واشنطن في أبريل الماضي، باعتبارها ركائز أساسية لإعادة توحيد ليبيا وفتح مزيد من مواردها النفطية أمام الشركات الأمريكية.
النفط الليبي في الحسابات الأمريكية
وربطت الصحيفة بين الاهتمام الأمريكي المتزايد بقطاع النفط الليبي والتطورات الإقليمية الأخيرة، مشيرة إلى أن إغلاق إيران لمضيق هرمز أدى إلى اضطراب أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، والذي تمر عبره عادة نسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية.
وفي هذا السياق، باتت ليبيا، وفق التقرير، جزءاً من حسابات واشنطن المتعلقة بتأمين مصادر بديلة للطاقة.
وكان بولس قد قال في أبريل إن ليبيا يمكن أن ترفع إنتاجها النفطي إلى نحو 1.6 مليون برميل يومياً على المدى القصير، وصولاً إلى ما بين مليوني وثلاثة ملايين برميل يومياً بحلول نهاية العقد.
واعتبرت الصحيفة عودة شركة شيفرون إلى ليبيا أكبر خطوة نفطية أمريكية في البلاد منذ عقود، بعد حصول الشركة في وقت سابق من العام على عقد في حوض سرت، فيما وقعت إكسون موبيل اتفاقية تغطي أربعة قطاعات بحرية.
وتشير «واشنطن تايمز» إلى أن ليبيا تمتلك نحو 41% من الاحتياطيات النفطية المؤكدة في أفريقيا، وهي النسبة الأكبر بين دول القارة، ما يجعلها ذات أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة إلى واشنطن وشركات الطاقة الأمريكية.
المصالح الأمريكية تتجاوز النفط
ونقلت الصحيفة عن فولفغانغ بوزتاي، وهو محلل أمني نمساوي سبق أن عمل ملحقاً دفاعياً في ليبيا ويرأس المجلس الاستشاري الوطني للعلاقات الأمريكية الليبية، قوله إن عدم الاستقرار في ليبيا يمثل تهديداً للمصالح الأمريكية في المنطقة الأوسع.
وأوضح أن أهداف واشنطن في ليبيا لا تقتصر على زيادة إنتاج النفط، بل تشمل أيضاً تحقيق الاستقرار في البلاد، ومواجهة الوجود العسكري الروسي في أفريقيا، وزيادة إنتاج النفط الليبي، والحد من الهجرة غير النظامية إلى أوروبا، ومواجهة النفوذ الصيني في مجال المعادن بجنوب ليبيا.
وأضاف أن مبادرة بولس تمثل فرصة لتعزيز المصالح الأمريكية انطلاقاً من الوضع القائم في ليبيا.
بدوره، قال هاني العصار، المدير التنفيذي للمركز القومي للدراسات في مصر، إن الأحداث الأمنية والاقتصادية والسياسية الأخيرة لا يمكن التعامل معها باعتبارها حوادث منفصلة، لكنه حذر في الوقت ذاته من التسرع في افتراض وجود مؤامرة واحدة تقف خلفها.
وأضاف، في تصريحات للصحيفة، أن الأهم هو تعرض المؤسسات الأمنية وقطاع الطاقة والمؤسسات الاقتصادية الليبية لضغوط في الوقت الذي تحاول فيه واشنطن الدفع نحو توحيد هذه المؤسسات.
أما المستشار الليبي الأمريكي عمر خطالي، الذي سبق أن أدار صندوق العقارات التابع لصندوق الثروة السيادي الليبي، فقال للصحيفة إن الهجمات الثلاث قد لا تكون مترابطة من حيث منفذيها، لكنها مرتبطة، في نظره، بضعف بنية الدولة الليبية الحالية.
وأضاف أن جوهر الصراع في ليبيا يدور حول المال والسلطة والسيطرة.
ترتيبات سياسية أمريكية
وبحسب «واشنطن تايمز»، فإن الترتيب السياسي الذي يجري بحثه في إطار المبادرة الأمريكية يهدف إلى الحفاظ على نفوذ رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، من خلال منح أحد أقاربه دوراً محورياً، بالتزامن مع الدفع نحو صعود صدام حفتر، نجل اللواء خليفة حفتر، إلى قيادة مجلس تنفيذي وطني جديد.
ووفق التقرير، ستتضمن الخطة عرض استثمارات نفطية أمريكية، إلى جانب الضغط من أجل الإفراج عن الأصول الليبية المجمدة، فيما ستؤجل الانتخابات إلى مرحلة لاحقة، إذا تم إجراؤها أصلاً.
وترى الصحيفة أن أحد أبرز المؤشرات على نجاح هذا المسار تمثل في موافقة المجلسين التشريعيين المتنافسين في شرق وغرب ليبيا، في 11 أبريل، على ميزانية وطنية موحدة بقيمة 190 مليار دينار ليبي، أي نحو 30 مليار دولار، وهي أول ميزانية موحدة من هذا النوع منذ عام 2013.
التقارب المصري التركي
واعتبرت الصحيفة أن التقارب المصري التركي يمثل أحد أبرز عناصر الأمل في الحسابات الأمريكية المتعلقة بليبيا.
وأشارت إلى أن القاهرة وأنقرة كانتا في عام 2019 تدعمان طرفين متنافسين في الحرب الليبية، كما شهدت علاقاتهما الدبلوماسية توتراً استمر سنوات.
لكن التنسيق الحالي بين البلدين بشأن الإطار الذي يدفع به بولس، ومن ذلك لقاء وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بنظيره المصري بدر عبد العاطي في العلمين عقب زيارة فيدان إلى طرابلس وبنغازي، يعكس، وفق الصحيفة، رغبة لدى الطرفين في تجنب اتخاذ خطوات ضد حلفاء الطرف الآخر داخل ليبيا.
وترى واشنطن أن هذا التفاهم ضروري لمنع تحول المبادرة الأمريكية إلى مواجهة جديدة بالوكالة بين القوى الإقليمية.
أما الإمارات العربية المتحدة، التي دعمت حفتر لسنوات، فلم تعلق علناً، وفق التقرير، على الهجمات التي شهدتها مدينة الزاوية.
وقال هاني العصار إن التوصل إلى تفاهم مصري أمريكي بشأن الملف الليبي يمثل ضرورة استراتيجية للجانبين، مضيفاً أن واشنطن لا ترغب في أن تتحول ليبيا إلى ساحة صراع مع روسيا، خصوصاً في ظل انشغال موسكو بالحرب في أوكرانيا.
ضغوط على المبادرة الأمريكية
وتشير الصحيفة إلى أن الرؤية الأمريكية تقوم، إلى حد كبير، على التعامل مع واقع ليبيا القائم على سيطرة أطراف مختلفة على مناطق جغرافية محددة، وهي مقاربة استخدمت واشنطن أطرًا مشابهة لها في ملفات إقليمية أخرى، بما في ذلك غزة وسوريا والدبلوماسية الكردية في مراحلها المبكرة.
وكان يُنظر إلى ليبيا باعتبارها مرشحة لأن تكون نموذجاً لنجاح هذه المقاربة، نظراً إلى امتلاكها موارد نفطية ضخمة قادرة على توفير عوائد سريعة، في وقت تتعرض فيه أسواق الطاقة العالمية لضغوط بسبب الحرب مع إيران واضطراب طرق الإمداد.
لكن بعد أربعة أشهر فقط من عرض بولس لمساراته الثلاثة لإعادة ترتيب الوضع الليبي، باتت الطاقة والأمن والمؤسسات الاقتصادية جميعها تحت ضغط متزايد.
وفي هذا السياق، قال عمر خطالي إن الليبيين ينظرون إلى بولس باعتباره وسيطاً يسعى إلى تحقيق مكاسب مالية من عقود النفط المستقبلية المحتملة، مع تفضيلهم مشاركة أمريكية مباشرة أكبر من جانب وزير الخارجية الأمريكي ووزارة الخارجية، بدلاً من الاعتماد على مبادرات يقودها مستشارون أو وسطاء.
وبحسب «واشنطن تايمز»، فإن تصاعد الاضطرابات الأمنية والمؤسسية في ليبيا يضع الطموحات الأمريكية أمام اختبار صعب، إذ إن نجاح أي خطة لزيادة إنتاج النفط وجذب الشركات الأمريكية يتطلب أولاً بيئة سياسية وأمنية ومؤسساتية مستقرة، وهو ما لا يزال بعيد المنال في ظل استمرار الانقسام وتنافس مراكز النفوذ على السلطة والثروة.

