Menu
in

ليبيا.. دولة معلّقة بين مبادرات لا تنتهي وأزمات تتفاقم

التعطيل اليوم ليس مجرد شلل طارئ تصاب به مفاصل الدولة، بل أصبح العقيدة الوحيدة التي يتفق عليها الجميع في المشهد الليبي، دون حاجة إلى توقيع مذكرات تفاهم.

لقد أصبح التعطيل صانع القرار الأول، والموجّه الأعلى، والستار الساتر لكل العورات السياسية؛ مرحلة كاملة تُختصر في أن لا شيء يتحرك سوى عقارب الساعة، بينما يقف كل شيء آخر «محلك سر».

تأمل معي #المبادرة_الأمريكية التي أعلن عنها مسعد بولس بكل اعتزاز، مذكّرًا بأنها انطلقت منذ سبتمبر 2025. لا أدري حقيقة: هل يُساق هذا التاريخ على سبيل التفاخر والاعتزاز، أم كشهادة وفاة مبكرة لدبلوماسية العظمة؟

عام كامل تتنقل فيه هذه المبادرة بين العواصم، من روما إلى مالطا وتونس وباريس، محفوفة بكل الهيبة المفترضة لواشنطن وقدراتها الثقيلة، لتبدأ من اللاشيء وتستقر عند اللاشيء.

يتساءل المرء باستهجان ساخر: كيف لدولة تملك كل خيوط اللعبة أن تعجز عن زحزحة ملف واحد، إلا إذا كانت هذه المبادرة مجرد استعراض شفوي لا يحمل من قوته سوى نبرة التصريحات الصحفية؟

حتى «الاتفاق التنموي الموحد» الذي طبلت له الأبواق لم يجرؤ على رؤية النور؛ لم يُنفذ منه بند واحد، ولم يُصرف من أجله درهم، لتترك الأرقام الفلكية للدولار تنهش ما تبقى من جدران الاقتصاد، وتدفع بمحافظ البنك المركزي إلى استقالة رمادية لا تغيّر من واقع الانهيار شيئًا.

وعلى جبهة #بعثة_الأمم_المتحدة، يتجلى المسرح الكوميدي في أبهى صوره. لجان تتوالى برعاية أممية، من اللجنة الاستشارية إلى الحوار المهيكل، وصولًا إلى هذه «اللجنة المصغرة» التي تحولت، اجتماعًا خلف اجتماع، إلى متوالية لا تنتهي.

تلجأ البعثة في كل مرة إلى إيهام الجميع بأن هذا هو «الاجتماع الأخير»، ليتبين لاحقًا أن للاجتماع الأخير أخًا وأختًا وأقرباء آخرين.

ثلاثة اجتماعات سُمّيت حاسمة، والنتيجة صفر متكامل. تناقش اللجنة ملفين لا ثالث لهما: المفوضية والقوانين الانتخابية، ليتبين أن ما وصلت إليه لا يتعدى إعادة تدوير ما خرجت به اللجنة الاستشارية قبلها.

تدور القضية في حلقة مفرغة؛ تبرز عقبة اليوم لتختفي وتظهر أخرى غدًا، في لعبة مكشوفة ليس لها من هدف إلا شراء الوقت.

والأنكى من ذلك هي تلك المعزوفة الشهيرة التي أتحفتنا بها المبعوثة الأممية في ثلاث إحاطات متتالية أمام مجلس الأمن؛ في فبراير، ثم أبريل، ثم يونيو. والرجاء كل الرجاء ألا نستمع إليها مجددًا في إحاطة أغسطس المقبلة، كشريط مكرر: «إذا فشلت المساعي، سألجأ إلى تقديم البدائل الممكنة من الاتفاق السياسي».

في فبراير انتظرنا، وفي أبريل قلنا: فليكن، ولننتظر يونيو. وجاء يونيو بحفاوة البلاغة ونفس التهديد الفارغ، وها نحن ندخل أغسطس لنكتشف أن البعثة نفسها باتت تمارس الكوميديا السوداء على الليبيين، وتبيعهم الوهم في أظرفة أممية أنيقة.

لكن، والصدق يُقال، لقد نجح هؤلاء جميعًا، وبامتياز معظّم، في شراء الوقت.

نجحت حكومة الوحدة الوطنية، ونجحت الأطراف المهيمنة، ونجح أعضاء اللجنة المصغرة، ونجح الفاعلون الإقليميون والدوليون. الجميع كسب الرهان على إضاعة عمر البلاد.

إن حالة «#توازن_الضعفاء» هذه ليست محض مصادفة، بل هي الوضع الأمثل والمريح جدًا للقوى الإقليمية والدولية التي ترى في ليبيا المشلولة الواهنة ضمانة لاستمرار مصالحها دون وجع رأس.

وفي الطرف الآخر من هذا المسرح السريالي، ينزوي المواطن الليبي ليدفع فاتورة الحساب كاملة؛ بين الظلام الدامس والانقطاع المستمر للكهرباء، وطوابير البنزين الممتدة في لهيب الصيف الحارق، وصولًا إلى الانفجارات الأليمة واستهداف المصافي، كما حدث في الزاوية مؤخرًا.

يعيش الناس ضنكًا يوميًا لا يُطاق، والأدهى من ذلك كله هو تلك السلبية الشعبية العجيبة، والصمت الذي يشبه تواطؤًا غير مكتوب مع هذا العبث.

لقد استمرأ المفسدون غياب الحساب، واطمأنوا إلى أن هذا الشعب المنهك قد اعتاد العتمة، حتى صار التعطيل هو النص السياسي الوحيد المكتوب بعناية، والجميع شريك في تمثيله حتى إشعار آخر.

Exit mobile version