ظل النقاش الاقتصادي الليبي حول تراجع سعر صرف الدينار يدور، بصورة تكاد تكون ثابتة، حول فرضية مفادها أن ارتفاع الإنفاق الحكومي، خصوصاً عندما يتجاوز الموارد المالية المتاحة للدولة، يؤدي إلى زيادة السيولة والطلب على النقد الأجنبي، ومن ثم إلى الضغط على سعر صرف الدينار. ومن هذه الفرضية نشأت نتيجة أخرى تبدو منطقية للوهلة الأولى، وهي أن علاج أزمة سعر الصرف يبدأ من ضبط الإنفاق العام، وأن استمرار العجز المالي يعني بالضرورة استمرار الضغط على الدينار. ولا شك أن الإنفاق الحكومي يمكن أن يكون مصدراً للضغط على الاقتصاد، خصوصاً إذا أدى إلى زيادة الطلب على السلع والخدمات المستوردة، لكن تحويل هذه العلاقة إلى علاقة سببية مباشرة بين حجم الإنفاق وسعر الصرف يتجاهل الحلقة الأكثر أهمية في هذه السلسلة، وهي السياسة النقدية وآلية تمويل الإنفاق العام.
المشكلة، في تقديري، تبدأ من الخلط بين الإنفاق الحكومي والسياسة المالية من جهة، وبين النظام الذي يحول هذا الإنفاق إلى سيولة وائتمان والتزامات نقدية من جهة أخرى. فالإنفاق الحكومي في حد ذاته لا يخبرنا بما سيحدث لسعر الصرف، وإنما ينبغي أن نسأل كيف تم تمويله، وكيف انعكس على الميزانية العمومية للمصرف المركزي والجهاز المصرفي، وما إذا كان قد أنشأ التزامات مستقبلية على الحكومة، ومن يتحمل في النهاية تكلفة هذه الالتزامات. ولذلك فإن النظر إلى حجم الإنفاق وحده باعتباره المتغير الذي يفسر تراجع الدينار قد يقود إلى قلب علاقة السببية؛ لأن الإنفاق الحكومي لا يتحول آلياً إلى أزمة نقدية، وإنما يتحول إليها من خلال النظام النقدي والائتماني الذي يحكم تمويله وتسويته.
وهنا تظهر المفاهيم المعروفة في الاقتصاد النقدي والمالي، وفي مقدمتها الهيمنة المالية Fiscal Dominance والهيمنة النقدية Monetary Dominance. في حالة الهيمنة المالية تصبح السياسة النقدية مقيدة باحتياجات المالية العامة، بحيث تجد السلطة النقدية نفسها مطالبة باستيعاب نتائج الإنفاق الحكومي وتمويل التزاماته بصورة مباشرة أو غير مباشرة. أما في حالة الهيمنة النقدية، فإن البنك المركزي يفرض قيداً حقيقياً على المالية العامة، ليس بمنع الحكومة من الإنفاق، وإنما بجعل الإنفاق الحالي يحمل تكلفته المستقبلية على الجهة التي اتخذت قرار الإنفاق. فإذا اقترضت الحكومة بقي الدين قائماً، وإذا أصدرت سندات بقيت التزاماتها المستقبلية واضحة، وإذا تجاوزت مواردها أصبحت تكلفة التمويل جزءاً من قرارها المالي، وإذا لم تستطع تمويل إنفاقها اضطرت إلى إعادة ترتيب أولوياتها. بهذا المعنى، فإن الهيمنة النقدية ليست سياسة ضد الإنفاق الحكومي، وإنما آلية تمنع تحويل تكلفة الإنفاق إلى تكلفة نقدية غير معلنة يتحملها الاقتصاد وحائزو العملة.
من هذه الزاوية تبدو الحالة الليبية أكثر تعقيداً من مجرد القول إن الإنفاق الحكومي كان مرتفعاً. فمنذ عام 2011 شهدت ليبيا مستويات مرتفعة من الإنفاق العام، ولكنها شهدت في الوقت نفسه انهياراً أو تذبذباً حاداً في الموارد النفطية نتيجة انخفاض الأسعار وإغلاقات الحقول والموانئ والتراجع في الإنتاج والانقسام السياسي والمؤسسي. وفي عدد من هذه الفترات مارس مصرف ليبيا المركزي بالفعل نوعاً من التقييد على الإنفاق الحكومي من خلال عدم تسييل بعض الأموال أو تأخير تسييلها عندما لم تكن الموارد النفطية كافية. وهذه التجربة مهمة لأنها تكشف أن حجم الإنفاق الذي تعتمده السلطة التنفيذية لا يتحول بالضرورة إلى إنفاق فعلي أو إلى سيولة في الاقتصاد إلا من خلال العلاقة التي يحددها المصرف المركزي مع المالية العامة والجهاز المصرفي. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس فقط: لماذا أنفقت الحكومة كثيراً؟ وإنما: هل فرض النظام النقدي على الحكومة تكلفة إنفاقها، أم سمح بتحويل هذه التكلفة تدريجياً إلى النظام النقدي؟
وهنا تكتسب قضية الدين العام أهمية خاصة، ليس باعتبارها قضية محاسبية أو قانونية فحسب، وإنما باعتبارها اختباراً لطبيعة العلاقة بين السياسة المالية والسياسة النقدية. فقد أُقر في عام 2025 إطفاء الدين العام المصرفي الذي بلغ، وفق الأرقام الواردة في القانون، نحو 303 مليارات دينار. والسؤال الاقتصادي الذي ينبغي أن يسبق الاحتفال بإلغاء هذا الدين هو: هل أُلغيت التكلفة الاقتصادية التي أنشأت الدين، أم أُلغي الالتزام الظاهر فقط؟ فالإنفاق الذي أنشأ الدين حدث بالفعل، والأموال دخلت الاقتصاد، والآثار التي ترتبت على ذلك الإنفاق في الأسعار والسيولة والأصول وسوق الصرف لا يمكن إلغاؤها بأثر رجعي بقرار قانوني أو محاسبي. ولذلك فإن إطفاء الدين لا يعني بالضرورة إطفاء التكلفة الاقتصادية للإنفاق الذي أنشأه.
إذا أزيل الالتزام من جانب المالية العامة دون أن تزول التكلفة الاقتصادية المقابلة، فإن السؤال يصبح: أين انتقلت هذه التكلفة؟ قد تظهر في المركز المالي للمصرف المركزي، أو في قدرته المستقبلية على امتصاص السيولة، أو في إيراداته المستقبلية، أو في صورة ضغوط نقدية يتحملها الاقتصاد. وفي الحالة الأخيرة تكون النتيجة شديدة الأهمية من منظور سعر الصرف، لأن الالتزام الذي كان ينبغي أن يبقى التزاماً مالياً على الحكومة يمكن أن يتحول تدريجياً إلى تكلفة موزعة على حائزي الدينار من خلال انخفاض القوة الشرائية للعملة. ولذلك فإن العبارة الأساسية هنا هي أن إطفاء الدين لا يعني إطفاء تكلفة الإنفاق الذي أنشأ الدين، وأن إزالة الالتزام من الحسابات لا ينبغي أن تعني إزالة المسؤولية الاقتصادية عن القرار الذي أنشأه.
هذه النقطة تقود إلى مسألة أوسع: هل وجود عجز مالي في دولة نفطية يعني بالضرورة وجود أزمة في سعر الصرف؟ التجارب الدولية لا تؤيد هذا التبسيط. فالدول النفطية يمكن أن تسجل عجزاً في سنوات معينة دون أن يتحول العجز بالضرورة إلى أزمة في قيمة العملة، إذا كانت تمتلك أصولاً خارجية، وأدوات تمويل، ونظاماً نقدياً قادراً على إدارة السيولة، وقبل كل ذلك إطاراً مؤسسياً يجعل العجز الحالي التزاماً مالياً مستقبلياً واضحاً. المشكلة الليبية ليست في وجود العجز وحده، وإنما في ضعف الآلية التي تجعل الإنفاق الحالي يتحمل تكلفته المستقبلية، وفي غياب نظام فعال يحول الفوائض التي لا يستطيع الاقتصاد المحلي استيعابها إلى ادخار واستثمار خارجيين يحفظان القيمة.
وهنا ينبغي التمييز بين الإنفاق الاستثماري والإنفاق الجاري. فليس من المنطقي التعامل مع الإنفاق التنموي باعتباره تلقائياً مصدراً للضغط على سعر الصرف أكبر من الإنفاق الجاري. فالإنفاق الاستثماري لا يتحول إلى طلب على النقد الأجنبي إلا بقدر المكون الخارجي للمشروع، كما أن جزءاً منه يمكن أن يؤدي على المدى الطويل إلى زيادة الطاقة الإنتاجية وتقليل الاعتماد على الواردات. أما الإنفاق الجاري، وخصوصاً الأجور والدعم والتحويلات، فإنه يدخل بصورة أسرع في الدخول والاستهلاك، وقد يتطلب تجديده بصورة مستمرة. ولذلك فإن الدعوة العامة إلى تقليص الإنفاق التنموي باعتباره الطريق الأسرع لحماية الدينار تحتاج إلى مراجعة، لأن السؤال الاقتصادي ليس حجم الإنفاق فقط، وإنما ما الذي يشتريه هذا الإنفاق، وما المكون الخارجي فيه، وما أثره على القدرة الإنتاجية، وكيف تم تمويله، ومن يتحمل تكلفته المستقبلية؟
المشكلة الأعمق في ليبيا تتعلق بكيفية التعامل مع الريع النفطي بعد دخوله إلى الاقتصاد. فالاقتصاد الذي يحصل على إيرادات نفطية كبيرة لا يستطيع بالضرورة استيعاب كل هذه الموارد في استهلاك أو استثمار محلي منتج. وفي هذه الحالة تحتاج الدولة إلى قناة لتحويل الجزء غير القابل للاستيعاب المحلي إلى أصول خارجية تحفظ القيمة. وجود صندوق ثروة سيادي في حد ذاته لا يكفي إذا لم يعمل بصورة فعالة في هذا الاتجاه، كما أن وجود أصول خارجية رسمية لا يعني بالضرورة أنها تؤدي وظيفة الادخار الخارجي بكفاءة. ليبيا تمتلك بالفعل أصولاً خارجية رسمية، بما في ذلك أصول المؤسسة الليبية للاستثمار والاحتياطيات الأجنبية، لكن القيود القانونية والعقوبات الدولية وضعف آليات إدارة الفوائض بعد عام 2011 حدت من قدرة هذه الأصول على أداء وظيفة ادخارية واستثمارية نشطة ومستقرة.
وفي المقابل، لا يوفر النظام المالي المحلي للفرد بالضرورة أصلاً دينارياً قادراً على حفظ القيمة بصورة مقنعة. عندما تكون أدوات الادخار محدودة، ولا يوجد سعر فائدة فعلي يؤدي وظيفة العائد على الاحتفاظ بالدينار، ولا توجد سوق عميقة وشفافة لأدوات الدين، ويظل الفرد غير واثق من القيمة المستقبلية للعملة، فإن الدولار يتحول تدريجياً من مجرد وسيلة لتمويل التجارة الخارجية إلى أداة لحفظ القيمة. وهنا يتغير تفسير الطلب على النقد الأجنبي بصورة جوهرية؛ فليس كل طلب على الدولار ناتجاً عن حاجة حقيقية إلى استيراد سلعة أو خدمة، وإنما قد يكون جزء منه ناتجاً عن رغبة الفاعلين الاقتصاديين في نقل القيمة من أصل محلي يرونه معرضاً لفقدان قيمته إلى أصل أجنبي أكثر استقراراً.
وهذه النقطة تفتح الباب أمام الاقتصاد السلوكي، ليس باعتباره بديلاً للنظرية الاقتصادية الكلية، وإنما باعتباره تفسيراً لما يحدث عندما تصبح توقعات الفاعلين الاقتصاديين جزءاً من آلية تحديد سعر الصرف. فإذا توقع الفرد انخفاض قيمة الدينار، فقد يسعى إلى شراء الدولار قبل حدوث الانخفاض. وإذا زاد الطلب على الدولار نتيجة هذا السلوك، اتسعت الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، وهو ما يمكن أن يعزز الاعتقاد الأول ويشجع مزيداً من عمليات التحوط والمضاربة. عند هذه النقطة لا يصبح سعر الصرف مجرد انعكاس للمتغيرات الأساسية في الاقتصاد الحقيقي، وإنما يصبح أيضاً نتيجة لتوقعات الفاعلين الاقتصاديين وسلوكهم الجماعي. وقد تنشأ بذلك حلقة تغذية ذاتية يصبح فيها توقع انخفاض الدينار سبباً إضافياً لانخفاضه.
وهذا يفسر لماذا لا يكفي تفسير الطلب على الدولار في ليبيا من خلال حجم الواردات وحده. فالاستيراد قد يكون استجابة لحاجة حقيقية للاستهلاك أو الإنتاج، لكنه قد يكون في بعض الحالات قناة لنقل القيمة من الدينار إلى أصل أجنبي. وقد تظهر هذه العملية في الاحتفاظ بالسلع، أو إعادة بيعها، أو إعادة تصديرها، أو في صور أخرى من التجارة غير الفعالة أو الوهمية. ومن هنا يصبح الاقتصاد السلوكي مهماً لأنه يفسر لماذا يمكن أن يستمر الطلب على النقد الأجنبي حتى عندما لا تتناسب حركته مع الاحتياجات الفعلية للاقتصاد.
ومن هذه الزاوية أيضاً ينبغي النظر بحذر إلى التقارير الشهرية لمصرف ليبيا المركزي. فالمشكلة ليست في نشر المعلومات، بل في طبيعة المعلومات التي ينشرها النظام الاقتصادي وفي الطريقة التي يتعامل بها السوق معها. عندما تصبح الأرقام الشهرية للإيرادات النفطية والإنفاق واستخدامات النقد الأجنبي والاحتياطيات مؤشرات يتابعها السوق بصورة مستمرة، فإنها تتحول من مجرد معلومات إحصائية إلى إشارات عن المستقبل. وقد لا يقرأ الفاعل الاقتصادي ارتفاع الطلب على الدولار في شهر معين باعتباره حدثاً منتهياً، وإنما باعتباره دليلاً على احتمال عجز المصرف المركزي عن تلبية الطلب في الأشهر التالية، فيبدأ بالشراء تحوطاً من المستقبل. وهكذا يصبح نشر المعلومات جزءاً من عملية تكوين التوقعات، وليس مجرد وصف لما حدث.
ولا يعني ذلك أن التقارير الشهرية هي التي تخلق أزمة سعر الصرف، كما لا يعني أن نشر البيانات ينبغي أن يتوقف. لكن الانتقال من منظومة تعتمد على الحسابات القومية والمالية المتكاملة إلى متابعة تشغيلية شهرية لأرقام منفصلة قد يخلق بيئة يصبح فيها كل تغير شهري إشارة مضاربية، خصوصاً إذا كانت البيانات نفسها تتأثر بتسويات سابقة أو لاحقة ولا تقدم دائماً صورة متكاملة عن المركز المالي والنقدي. وفي اقتصاد يعاني أصلاً من ضعف القدرات الإحصائية والمحاسبية، قد يؤدي هذا النوع من المعلومات المجزأة إلى تقلب التوقعات بدلاً من تحسينها.
أما الحديث عن العملة غير المرخصة، وخصوصاً ما طرحه مصرف ليبيا المركزي بشأن انتشار أوراق نقدية من فئة الخمسين ديناراً، فينبغي أن يُعامل بوصفه فرضية مهمة تحتاج إلى قياس مستقل، وليس بوصفه تفسيراً نهائياً لأزمة السيولة وسعر الصرف. فوجود عملة غير مرخصة يمكن أن يؤثر بالفعل في الكتلة النقدية وفي قدرة المصرف المركزي على التحكم في السيولة، لكن تقدير حجم هذا الأثر يتطلب معرفة حجم النقد غير المرخص، ومدة بقائه في التداول، ومدى دخوله إلى الجهاز المصرفي، وكيفية انتقاله إلى سوق النقد الأجنبي. كما أن سحب فئة الخمسين ديناراً من التداول بالكامل يجعل إعادة بناء أثرها التاريخي أكثر صعوبة. ولذلك ينبغي ألا تستخدم هذه المسألة لتبرئة أو إدانة السياسة النقدية قبل توافر أدلة كمية كافية.
إن جوهر المسألة، في النهاية، ليس الدفاع عن السياسة المالية الليبية أو الادعاء بأن الإنفاق الحكومي كان رشيداً. العكس هو الصحيح؛ فالإنفاق العام يحتاج إلى إصلاح عميق في حجمه وهيكله وأولوياته وكفاءة استخدامه. لكن الاعتماد على فرضية أن الحكومات الليبية ستصبح في المستقبل منضبطة مالياً، وأنها ستستجيب تلقائياً لحدود الموارد، ليس سياسة اقتصادية قابلة للتطبيق بسهولة في بيئة سياسية منقسمة وتحت ضغوط اجتماعية متزايدة. ولذلك فإن انتظار «الرشد المالي» كشرط مسبق لاستقرار الدينار قد يعني عملياً انتظار حل سياسي واقتصادي قد يستغرق سنوات.
المطلوب، في المقابل، هو أن تفرض السياسة النقدية الانضباط على السياسة المالية من خلال تنظيم الائتمان والعلاقة المالية بين الحكومة والمصرف المركزي والجهاز المصرفي. فالإنفاق الحالي يجب أن يولد التزامات مستقبلية واضحة على الجهة التي اتخذت قرار الإنفاق، ولا ينبغي أن تختفي هذه الالتزامات عبر ترتيبات محاسبية أو نقدية تنقل تكلفتها إلى المصرف المركزي ثم إلى حائزي الدينار. وينبغي أن يكون هناك نظام واضح للائتمان الحكومي، وأدوات مالية تسمح بقياس تكلفة الاقتراض، وأدوات نقدية قادرة على امتصاص السيولة، وأدوات ادخار دينارية تمنح الفرد بديلاً معقولاً عن تحويل مدخراته إلى الدولار.
وهنا يمكن إعادة تعريف وظيفة السياسة النقدية في ليبيا. فالمطلوب منها ليس فقط الدفاع عن سعر صرف محدد، ولا مجرد توفير الدولار للقطاع المصرفي، ولا معالجة النتائج بعد ظهورها، وإنما إدارة العلاقة بين المالية العامة والنظام النقدي بحيث لا تتحول تكلفة عدم الانضباط المالي إلى تآكل في قيمة العملة. فإذا لم تستطع السياسة السياسية فرض الانضباط على المالية العامة بصورة مستمرة، فيجب ألا تسمح السياسة النقدية بأن تتحول المالية العامة إلى مصدر دائم للالتزامات النقدية غير المنضبطة.
ومن هذا المنظور، فإن السؤال الذي ينبغي أن يحتل مركز النقاش حول الدينار الليبي ليس: لماذا أنفقت الحكومة كثيراً؟ فهذا السؤال مشروع، لكنه لا يكفي. السؤال الأهم هو: لماذا لم يفرض النظام النقدي على الإنفاق الحكومي تكلفته المستقبلية؟ فإذا كان الإنفاق قد أصبح التزاماً على الحكومة، فإن الحكومة تتحمل تكلفته. أما إذا اختفى الالتزام من الحسابات بينما بقيت آثاره النقدية والاقتصادية، فإن التكلفة تنتقل في النهاية إلى مكان آخر، وقد يكون هذا المكان هو ميزانية المصرف المركزي أو قيمة الدينار أو القوة الشرائية للفاعلين الاقتصاديين.
وعندها يصبح تفسير أزمة سعر الصرف من خلال «انفلات الإنفاق الحكومي» وحده تفسيراً ناقصاً، وربما يقلب ترتيب المسؤوليات. فالمالية العامة قد تكون غير راشدة، لكن عدم رشادها لا يصبح بالضرورة أزمة نقدية إلا عندما يفشل النظام النقدي في فرض القيود التي تجعل قرارات الإنفاق الحالية تحمل تكلفتها المستقبلية. ومن هنا فإن إصلاح الدينار الليبي لا يبدأ بالضرورة من تقليص الإنفاق، وإنما من إعادة تنظيم الائتمان والعلاقة بين السياسة المالية والسياسة النقدية، وإعادة بناء وظيفة الدينار كوسيلة للدفع ومخزن للقيمة، بحيث يتحمل صاحب القرار المالي تكلفة قراره، ولا تتحول هذه التكلفة إلى عبء صامت على العملة.
وهذه، في تقديري، هي النقطة التي ينبغي أن يوضع عندها الميزان الحقيقي بين السياسة المالية والسياسة النقدية: ليس بمعيار حجم الإنفاق، وإنما بمعيار من يتحمل في النهاية تكلفة هذا الإنفاق، وكيف تنعكس هذه التكلفة على سعر صرف الدينار
in مقالات
الإنفاق الحكومي أم السياسة النقدية؟ قراءة في أزمة سعر صرف الدينار

