Menu
in

الدفع الإلكتروني في ليبيا.. قراءة في الوجه الآخر للتحول الرقمي ‏

‏استعرض مصرف ليبيا المركزي، عبر حسابه الرسمي، مؤشرات الشمول المالي وأحدث البيانات المتعلقة باستخدام وسائل الدفع الإلكتروني، واصفاً إياها بـ”النجاح غير المسبوق” و”إنجاز لم يسبق أن تحقق في دولة ليبيا في أي مؤشر من مؤشرات الاقتصاد الليبي”.

‏وشمل العرض خدمات الدفع الفوري LYPay وOnePay، وقيمة المدفوعات المنفذة عبر البطاقات المصرفية على أجهزة نقاط البيع (PoS)، وقيمة المعاملات المنفذة عبر التطبيقات المصرفية على الهواتف المحمولة، وقيمة المعاملات المنفذة عبر المحافظ الإلكترونية، إضافة إلى السحوبات عبر أجهزة الصراف الآلي.

‏وبحسب المصرف المركزي، بلغ إجمالي قيمة التداول الإلكتروني خلال الفترة من يناير إلى يوليو 2026 نحو 643 مليار دينار، مع توقعات بتجاوز تريليون دينار ليبي بنهاية العام.

‏التعليق:

‏تعكس هذه الأرقام تحولاً رقمياً متسارعاً وخطوات مهمة نحو تعزيز الشمول المالي، لكن السؤال الأهم هو: ما أثر هذا التحول على مؤشرات الاقتصاد الكلي في ليبيا؟ وما انعكاساته على الاستهلاك والادخار وسرعة دوران النقود، ومن ثم على معدلات التضخم؟

‏في جانب الاستهلاك والادخار، أسهم التحول الرقمي في خفض تكلفة المعاملات وتسهيل عمليات الشراء، وهو ما قد يرفع الميل الحدي للاستهلاك نتيجة تراجع “الألم النفسي” المصاحب للدفع النقدي مقارنة بالدفع الإلكتروني. كما أسهم انتشار نقاط البيع في تنشيط الحركة التجارية وتقليص الاعتماد على السوق غير الرسمي القائم على النقد الورقي، إلا أن زيادة الاستهلاك تعد أحد العوامل التي قد تغذي الضغوط التضخمية.

‏أما فيما يتعلق بالادخار، فقد بلغت قيمة المعاملات المنفذة عبر المحافظ الإلكترونية نحو 650 مليون دينار فقط، وفقاً لبيانات المصرف المركزي، وهي قيمة متواضعة مقارنة ببقية قنوات الدفع الإلكتروني. ويعكس ذلك ضعف مستويات الدخل، إذ يذهب معظمها إلى الاستهلاك ولا يتبقى سوى القليل للادخار، بل قد يكون الادخار سالباً في بعض الحالات نتيجة اللجوء إلى الديون أو السلف. كما يشير هذا الرقم إلى محدودية أدوات وحوافز الادخار في القطاع المصرفي الليبي، وإلى استمرار ارتفاع التفضيل النقدي لدى الأفراد.

‏أما فيما يتعلق بسرعة دوران النقود ومعدلات التضخم، فقد كانت سرعة تداول النقود في النظام النقدي التقليدي محدودة وتعتمد على توسع شبكة الفروع المصرفية. أما مع التحول إلى المدفوعات الرقمية، فقد أصبحت عمليات التبادل تتم بشكل فوري عبر الهاتف المحمول، من أي مكان وفي أي وقت، وهو ما أدى إلى ارتفاع ملحوظ في سرعة دوران النقود.

‏وبالرجوع إلى معادلة التبادل MV = PT، فإن ارتفاع سرعة دوران النقود (V)، بالتزامن مع استمرار نمو عرض النقود (M) في الاقتصاد الليبي، وهو ما يمثل انعكاساً للإنفاق العام المرتفع، وفي ظل محدودية نمو المعروض من السلع والخدمات (T)، فإن النتيجة المتوقعة هي ارتفاع المستوى العام للأسعار (P)، بما يعني زيادة الضغوط التضخمية، خاصة مع سهولة الإنفاق التي يوفرها الدفع الرقمي مقارنة بالدفع النقدي.

‏وعليه، فإن التحول الرقمي يمثل متغيراً اقتصادياً جديداً ينبغي على مصرف ليبيا المركزي أخذه في الحسبان عند رسم السياسات النقدية، لما قد يترتب عليه من آثار مباشرة في سرعة تداول النقود ومستويات التضخم، إلى جانب ما يحققه من مكاسب في الكفاءة المالية والشمول المالي.

Exit mobile version