in

أمن الغاز في ليبيا بين وفرة الموارد واحتمال الاستيراد.. أين يكمن الخلل؟

تشهد ليبيا اليوم مفارقة تستحق التوقف عندها بجدية. فبينما تمتلك البلاد احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي وإمكانات جيولوجية واعدة، تتزايد المؤشرات التي تتحدث عن احتمال اللجوء إلى استيراد الغاز من الأسواق الدولية لتلبية احتياجات السوق المحلية، سواء لتشغيل محطات الكهرباء أو لتغذية الصناعات المختلفة أو لتغطية الطلب المتنامي على الطاقة.

 

إذا تحقق المؤشر او هذا السيناريو، فإن القضية لا ينبغي أن تُختزل في قرار استيراد الغاز بحد ذاته، وإنما في الأسباب التي أوصلت قطاع النفط والغاز الليبي إلى هذه المرحلة، فاستيراد الغاز قد يكون خياراً فنياً أو اقتصادياً مؤقتاً في ظروف معينة، لكن تحوله إلى سياسة دائمة لدولة تمتلك هذه الإمكانات يفرض مراجعة شاملة لسياسات ( الاستثمار والإدارة والتخطيط الاقتصادي الاستراتيجي )

 

لقد كان من المفترض أن يشهد قطاع الغاز خلال السنوات الماضية توسعاً في أعمال الاستكشاف والتطوير، مع إعطاء الأولوية للمشروعات القادرة على زيادة الإنتاج المحلي وتعزيز أمن الطاقة.

 

ومن بين الملفات التي طُرحت للنقاش آنذاك في وزارة المهندس محمد عون ، مشروع تطوير القطعة NC7 ومشروع عروس البحر، باعتبارهما من المشروعات التي كان يُنظر إليها على أنها قادرة على دعم إنتاج الغاز إذا ما نُفذت ضمن رؤية وطنية واضحة تعتمد على الخبرة الليبية والتمويل الوطني متى كان ذلك ممكناً ومجدياً ، حيث اكد خبرائنا الوطنيين ذلك المبتغي.

 

واليوم يبرز عدد من الأسئلة المشروعة التي تستحق إجابات مؤسسية واضحة:

 

لماذا لم تُنفذ تلك المشروعات وفق الخطط التي أُعلن عنها أو نوقشت في حينها من طرف وزارة المهندس عون ؟؟

هل كانت هناك مبررات فنية أو اقتصادية حالت دون تنفيذها، أم أن الأولويات الاستثمارية تغيرت؟

ما هي الأسس التي استندت إليها قرارات إدخال شركاء جدد في بعض المشروعات؟ وهل خضعت هذه القرارات لمعايير التنافسية والشفافية وتحقيق أفضل قيمة للدولة؟

وهل أُجريت مقارنة موضوعية بين تطوير المشروعات بالإمكانات الوطنية، أو بالشراكة مع الشركاء التقليديين لمؤسسة النفط ؟ ،وبين البدائل الأخرى المطروحة؟

هذه الأسئلة لا ينبغي أن تُفسر على أنها تشكيك في أي جهة أو اتهام لأي طرف، وإنما باعتبارها جزءاً من حق الرأي العام والخبراء في تقييم السياسات العامة، خصوصاً في قطاع يمثل العمود الفقري للاقتصاد الليبي.

 

إن نجاح أي شراكة في قطاع النفط والغاز لا يُقاس بجنسية الشريك، وإنما بقدرته على إضافة قيمة حقيقية، ونقل التكنولوجيا، وتسريع تطوير الحقول، وتحقيق أفضل عائد اقتصادي للدولة، مع الالتزام الكامل بمعايير الحوكمة والشفافية.

 

وفي المقابل، فإن أي مشروع استثماري يفتقر إلى الوضوح أو يثير تساؤلات حول آليات اختياره سيظل محل نقاش، مهما كانت أهدافه المعلنة.

 

كما أن أمن الطاقة لم يعد قضية إنتاج فقط، بل أصبح جزءاً من الأمن القومي. فالعجز في إمدادات الغاز ينعكس مباشرة على إنتاج الكهرباء، وعلى الصناعات، وعلى الإنفاق العام، وعلى قدرة الدولة على تحقيق التنمية الاقتصادية.

 

ولهذا فإن تأخير تطوير حقول الغاز أو تعطيل الاستثمارات الاستراتيجية يحمل كلفة اقتصادية واجتماعية قد تكون أعلى بكثير من كلفة تنفيذ تلك المشروعات في الوقت المناسب ( راجعوا تجربة تطوير الغاز البحري ، منصات ومجمع مليثه والوفاء تم بقروض مصرفيه محلية ليبيه )

 

إن المطلوب اليوم هو إطلاق مراجعة مهنية شاملة لاستراتيجية الغاز في ليبيا، تتضمن تقييماً موضوعياً للمشروعات المؤجلة، ومراجعة أولويات الاستثمار، وتسريع تطوير الحقول القابلة للإنتاج، مع تعزيز دور الكفاءات الليبية والاستفادة من شركائنا الدوليين دون ان نفرض عليهم جهات بعينها كما لاحظنا حينها ، علينا التاكيد على الشركاء الفاعلين الذين يحققون قيمة مضافة فعليه بعيداً عن أي اعتبارات غير فنية.

 

ومن الضروري أن تتبنى الجهات المختصة قدراً أكبر من الشفافية في عرض خططها للرأي العام وبوضوح، من خلال نشر المؤشرات المتعلقة بالإنتاج، والطلب المحلي، والفجوة المتوقعة، وأسباب تأخر بعض المشروعات، حتى يكون النقاش مبنياً على المعلومات لا على التكهنات كما يجري حاليا من تخبط.

 

في النهاية، لا يتعلق السؤال بما إذا كانت ليبيا ستستورد الغاز أم لا، بل يتعلق بكيفية إدارة ثروة وطنية يفترض أن تكون أساساً لتحقيق الاكتفاء الذاتي ودعم التنمية. فالدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد، وإنما بقدرتها على إدارتها بكفاءة، واتخاذ القرارات الاستثمارية الصحيحة في الوقت المناسب.

 

إن مستقبل قطاع النفط والغاز الليبي يستحق نقاشاً وطنياً مسؤولاً، تُقدَّم فيه الحقائق على المجاملات، والدراسات على الانطباعات، والمصلحة العامة على أي اعتبارات أخرى.

 

فالإجابة عن هذه الأسئلة ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة لبناء قطاع نفط قادر على تلبية احتياجات ليبيا اليوم، وحماية مصالحها الاستراتيجية في المستقبل، ضمانا لمستقبل الاجيال القادمة.

What do you think?

0 نقاط
Upvote Downvote

الاقتصاد تأذن للخطوط القطرية بفتح فرع في ليبيا

بقيادة السنغالي “دابو”.. ليبيا تبدأ رحلة تصفيات كأس إفريقيا 2027 بمباراتين على أرضها دون جمهور