بعيداً عن الضجيج الإعلامي الذي خلّفه قرار حكومة شرق ليبيا بقفل المنافذ على 4 جنسيات وإعادتهم إلى بلدانهم، ومن بينهم السودانيون، فإن هذا القرار لا يبدو أنه سيغير من واقع الهجرة في ليبيا، ولن يترتب عليه سوى مزيد من الرسائل السياسية الموجهة إلى الاتحاد الأوروبي وإيطاليا، التي سوف تفتتح مركزاً للمراقبة في بنغازي وتقدم الدعم له.
فالإريتريون والصوماليون والإثيوبيون لم يبدأوا دخول ليبيا اليوم، بل يصل كثير منهم إلى الأراضي الليبية منذ أكثر من 30 عاماً هرباً من الحروب والنزاعات في بلدانهم. وخلال هذه العقود لم يكن دخولهم يتم عبر المنافذ الرسمية في الغالب، بل عبر مسارات التهريب المعروفة التي لا تزال قائمة حتى اليوم، وبدعم من أفراد وكيانات وعائلات ليبية مرتبطة بجهات حكومية.
لذلك فإن منع الدخول عبر المنافذ الرسمية لن يوقف حركة الهجرة، لأن من يريد الوصول إلى ليبيا لن يتجه أصلاً إلى منفذ رسمي. وما لم تكن هناك إرادة حقيقية لمكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، ومحاسبة المهربين والجهات والعائلات التي تسيطر على مسارات العبور والشريط الحدودي، فإن مثل هذه القرارات ستبقى حبراً على ورق.
أما التناقض الأبرز فيتعلق بالسودانيين. فمنذ اندلاع الحرب في السودان، رحبت السلطات والقيادة العامة في بنغازي بآلاف السودانيين الفارين من الحرب، وقدمت ذلك باعتباره موقفاً إنسانياً وأخوياً تجاه شعب اضطر للنزوح بسبب النزاع. واليوم يأتي قرار يتحدث عن ترحيل حاملي الجنسية السودانية وغيرهم ممن لا يحملون إقامات سارية المفعول، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول كيفية التوفيق بين الترحيب بالنازحين الفارين من الحرب وبين التلويح بترحيلهم في ظل ظروف استثنائية ما زالت قائمة في بلادهم.
إن إدارة ملف الهجرة لا تكون بإصدار قرارات عامة تستهدف جنسيات بأكملها، بل من خلال سياسات واقعية تعالج التهريب والاتجار بالبشر وتحترم، في الوقت نفسه، الالتزامات الإنسانية تجاه الفارين من الحروب والنزاعات.
ويبدو أن هذا القرار يحمل رسالة إلى السيدة ميلوني والاتحاد الأوروبي مفادها أن السلطات في شرق ليبيا مستعدة للذهاب أبعد من مجرد منع خروج اللاجئين والمهاجرين من ليبيا، إلى حد التلويح بترحيل الموجودين منهم، بمن فيهم أشخاص تنطبق عليهم أوضاع الحماية الدولية ويُصنفون كطالبي لجوء أو طالبي حماية، وليسوا مجرد مهاجرين بالمعنى القانوني.

