أكدت المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا، هانا تيتيه، أن ليبيا تقف أمام فرصة سياسية مهمة يمكن البناء عليها لإنهاء حالة الانقسام المؤسسي.
وشددت تيتيه، خلال إحاطتها أمام مجلس الأمن، على أن مخرجات الحوار المهيكل الذي رعته بعثة الأمم المتحدة تمثل واحدة من أكثر المبادرات السياسية شمولاً وملكيةً ليبية خلال السنوات الأخيرة.
وركزت تيتيه على نتائج الحوار المهيكل باعتبارها الركيزة الأساسية لخارطة الطريق السياسية التي تطرحها البعثة الأممية، مؤكدة أن نجاح هذه المخرجات يتوقف على قدرة الأطراف الليبية على تحويل التوصيات إلى خطوات تنفيذية عملية تقود إلى انتخابات وطنية ومؤسسات موحدة ومستقرة.
الحوار المهيكل.. 6 أشهر من المشاورات
أوضحت تيتيه أن الحوار المهيكل انطلق في ديسمبر 2025 ضمن خارطة الطريق السياسية التي عرضتها البعثة على مجلس الأمن، واختُتم في يونيو 2026 بعد ستة أشهر من العمل المتواصل. وشارك في هذا المسار نحو 120 شخصية ليبية من مختلف التوجهات السياسية والمهنية والاجتماعية والجغرافية، عبر 18 جلسة حضورية استمرت قرابة 160 ساعة، إضافة إلى جلسات ومشاورات أخرى عقدت داخل ليبيا.
وأشارت إلى أن الحوار أسفر عن نحو 600 توصية تناولت أبرز التحديات السياسية والمؤسسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه البلاد، إضافة إلى الخطوات المطلوبة لتهيئة البيئة المناسبة لإجراء الانتخابات العامة.
مشاركة واسعة وترسيخ للملكية الوطنية
ولفتت المبعوثة الأممية إلى أن أهمية الحوار لا تقتصر على مخرجاته بل تشمل آلية إدارته، حيث شارك أكثر من 3200 شاب وشابة في فعالياته، فيما ساهم أكثر من 10200 مواطن بآرائهم من خلال استطلاعات الرأي ووسائل المشاركة المختلفة.
وأكدت أن جميع الاجتماعات عقدت داخل ليبيا، في طرابلس وبنغازي، في رسالة واضحة بأن الحلول السياسية يجب أن تكون ليبية المنشأ والقيادة والملكية.
توصيات بدولة موحدة وانتخابات ذات مصداقية
بحسب تيتيه، جاءت توصيات الحوار واضحة في أهدافها، إذ دعت إلى استعادة مؤسسات الدولة الموحدة والفاعلة والشرعية، والتوصل إلى توافق سياسي واسع حول إجراء انتخابات وطنية ذات مصداقية تستند إلى إطار قانوني واضح وإدارة مؤسسية فعالة.
كما ركزت التوصيات على إصلاح قطاع الأمن وتعزيز سيادة القانون واستقلال القضاء، إلى جانب ملفات العدالة الانتقالية والحريات العامة واللامركزية، فضلاً عن تعزيز المشاركة السياسية لكافة فئات المجتمع، بما في ذلك النساء والشباب والمكونات الثقافية والأشخاص ذوي الإعاقة.
إصلاح اقتصادي ومكافحة الفساد
وأكدت المبعوثة الأممية أن توصيات الحوار لم تقتصر على الشأن السياسي، بل تضمنت معالجات اقتصادية واسعة تهدف إلى تعزيز الشفافية والمساءلة في إدارة الموارد العامة، ومواجهة التشوهات الاقتصادية، وتحقيق تنمية أكثر عدالة وتوازناً بين مختلف المناطق الليبية.
واعتبرت أن هذه المخرجات تشكل أساساً عملياً لمعالجة الأسباب الهيكلية للأزمة الليبية، وليس فقط الوصول إلى الانتخابات.
توافق واسع وتحدي التنفيذ
وأشارت تيتيه إلى أن مخرجات الحوار حظيت بدرجة كبيرة من التوافق، حيث نالت تقارير ثلاثة مسارات إجماعاً كاملاً، بينما شهد مسار الحوكمة بعض الملاحظات والاعتراضات المحدودة.
وأضافت أن ردود الفعل الأولية من قطاعات مختلفة داخل المجتمع الليبي كانت إيجابية في مجملها، معتبرة أن التحدي الحقيقي يكمن الآن في الانتقال من مرحلة التوصيات إلى التنفيذ المنظم والمتدرج بقيادة ليبية ودعم دولي مستمر.
تقدم المسار الانتخابي
وكشفت المبعوثة الأممية عن استمرار ما يعرف بـ”الاجتماع المصغر” الذي يجمع ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية و”القيادة العامة” إلى جانب أعضاء من مجلسي النواب والدولة، بهدف معالجة القضايا المرتبطة بالعملية الانتخابية.
وأوضحت أن المشاركين توصلوا إلى اتفاق مبدئي بشأن إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، بما في ذلك آلية اختيار رئيسها، كما بدأت مناقشات جوهرية حول القوانين الانتخابية والقضايا السياسية العالقة.
تحذير من استمرار الجمود السياسي
وفي واحدة من أبرز رسائل الإحاطة، حذرت تيتيه من أن استمرار التعويل على العملية الانتخابية دون توفير الظروف السياسية والأمنية والقانونية اللازمة لن يكون كافياً لتحقيق تطلعات الليبيين.
وألحّت على أن حق الشعب الليبي في اختيار ممثليه ومؤسساته الديمقراطية لا يجب أن يبقى رهينة الانقسامات والشلل المؤسسي، مشيرة إلى أنها ستلجأ إلى مجلس الأمن بمقترحات جديدة لدفع العملية السياسية إذا تعذر تحقيق تقدم في تنفيذ خارطة الطريق الحالية.
رسالة إلى الأطراف الليبية والمجتمع الدولي
واختتمت المبعوثة الأممية إحاطتها بالتأكيد على أن ليبيا أصبحت أمام خيارات سياسية أكثر وضوحاً، لكن ضمن نافذة زمنية تضيق تدريجياً، معتبرة أن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق الأطراف الليبية، في حين يبقى الدعم الدولي عاملاً حاسماً لتحويل المبادرات السياسية إلى نتائج ملموسة.
ورأت أن إحراز تقدم في خارطة الطريق التي تقودها البعثة ليس مجرد استحقاق سياسي، بل يمثل المسار الأكثر أماناً لإنهاء الانقسام المؤسسي وبناء دولة مستقرة وقادرة على تلبية تطلعات الليبيين في الأمن والاستقرار والتنمية.

