تفكيك بيان مجلس البحوث والدراسات الشرعية بدار الإفتاء يتطلب تجريد النص من عباءته الدينية، وقراءته كوثيقةدفاع سياسي.
إن البيان الصادر عن مجلس البحوث والدراسات الشرعية بدار الإفتاء بتاريخ 17 يونيو 2026 بشأن مخرجات الحوارالمهيكل، يمثل نموذجاً تقليدياً لما يُعرف في السياسة بصراع البقاء.
فالبيان، رغم استدعائه للنصوص الدينية، ينخرط في اشتباك سياسي مباشر لحماية الأجسام التنفيذية والتشريعيةالحالية، والدفاع عن شبكة الأموال والمناصب والامتيازات التي تتربح من استمرار الانقسام، وذلك في مواجهةالمواعيد الملزمة التي أنتجها الحوار المهيكل.
وبعرض ادعاءات البيان على الحقائق الدستورية والسياسية لمخرجات مسار الحوكمة، تتضح المفارقات التالية:
أولاً: فزاعة الوصاية الدولية في مواجهة تجفيف منابع الفساد
يزعم البيان أن المخرجات تفرض وصاية خبراء دوليين على مؤسسات الرقابة والمالية.
والحقيقة أن ما يسميه البيان وصاية هو في واقعه آلية رقابة صارمة وطنية ودولية طالبت بها مخرجات مسارالحوكمة لتعزيز الحوكمة المالية الرشيدة، وذلك لمنع استخدام الموارد المالية للدولة في الاستقطاب السياسي أوفي عمليات التمويل الانتخابي غير المشروع.
مراكز القوى ترفض هذه الرقابة لأنها تفضح الفساد وتمنع استغلال أموال الشعب الليبي لشراء الولاءات وإدامةالانقسام.
الخوف هنا ليس على سيادة ليبيا، بل على سيادة الفاسدين بعيداً عن أعين الرقابة والمحاسبة.
ثانياً: أكذوبة الأجسام الموازية والمشروعية الدستورية
يتهم البيان البعثة الأممية باستحداث أجسام موازية لا أساس دستورياً لها، وهذه مغالطة دستورية صريحة.
فالمسار البديل الذي طرحه فريق الحوكمة يستند بالأساس إلى تفعيل المادة (64) من الاتفاق السياسي الليبي لعام2015 (الصخيرات)، والتي تمنح الحق في تشكيل لجنة حوار سياسي موسعة لتنفيذ خارطة الطريق الدستورية.
الحوار المهيكل لم يخترع جسماً من العدم، بل فعّل كابحاً قانونياً موجوداً في الإطار الدستوري الحاكم، وذلك لإنهاءاحتكار مجلسي النواب والدولة للقرار، بعد أن أثبتا عجزهما أو تعنتهما في إنجاز الاستحقاقات.
ثالثاً: ادعاء سلب حق الشعب في وقت تُفرض فيه الانتخابات
يزعم البيان أن المخرجات تسلب الشعب حقه في الاستفتاء الدستوري واختيار حكامه.
والواقع يثبت العكس تماماً، إذ وضع التقرير النهائي لمسار الحوكمة هدفاً استراتيجياً واحداً يتمثل في إجراءالانتخابات عبر قاعدة دستورية واضحة وضمانات حقيقية للتداول السلمي للسلطة.
ولضمان قطع الطريق على تمديد بقاء الحكومات، أوصى المسار بتحديد ولاية السلطة التنفيذية التمهيدية بمدةصارمة لا تتجاوز 18 إلى 24 شهراً، غير قابلة للتمديد تحت أي مسوغ. أما بخصوص الدستور الدائم، فقد شخصفريق الحوكمة الواقع بحنكة، وأوصى بتأجيل مسار إقرار الدستور الدائم إلى مرحلة لاحقة تتوفر فيها شروط الاستقرارالسياسي، على أن يُحال لاحقاً إلى جهة تشريعية منتخبة، وذلك لمنع استخدام الخلاف الدستوري ذريعةً لتعطيلالانتخابات الحالية.
رابعاً: الاستثمار في أصوات الأقلية المتحفظة
يدعو البيان إلى التضامن مع ما أسماه الأعضاء المتحفظين. وفي عالم السياسة، عندما تفشل الأقلية في فرضأجندتها داخل أروقة الحوار، تلجأ فوراً إلى القوى المستفيدة من بقاء الوضع الحالي لتعطيل المخرجات.
واحتفاء الجهات المستفيدة من الانقسام بهذه الأقلية يثبت أن التحفظ لم يكن مبنياً على خلل قانوني، بل كان رفضاًلسحب الفيتو التعطيلي الذي كان يضمن بقاء الأزمة والمكاسب المرتبطة بها.
كما يقول هنري كيسنجر: “إن الغاية الأساسية لأي سلطة غير منتخبة هي حماية استمراريتها بأي ثمن“.
هذا البيان ليس فتوى شرعية تُرجى منها الهداية، بل هو مناورة سياسية توظف النصوص الشرعية لحماية كراسيوميزانيات الأجسام القائمة.
وإن مخرجات الحوار المهيكل، بفرضها مددًا زمنية قاطعة وآليات رقابة صارمة، قد دقت ناقوس الخطر لكل منيعتقد أن ليبيا غنيمة يحق له احتكارها باسم الدين أو باسم الأمر الواقع.

