هذا السؤال مشروع، بل هو السؤال الأهم في أي مبادرة أو مقترح سياسي.
فالمشكلة في ليبيا لم تعد نقصًا في الأفكار أو الحلول، وإنما في القدرة على التنفيذ ومنع التعطيل.
ولهذا لم يُبنَ تقرير مسار الحوكمة على افتراض «حسن النوايا»، ولم يُصغَ باعتباره مجموعة «توصيات» تنتظر موافقة الأطراف المختلفة، بل انطلق من حقيقة سياسية واضحة:
أي مسار لا يمتلك آليات ذاتية للتنفيذ سيتحول إلى وثيقة أخرى تُضاف إلى أرشيف المبادرات غير المنجزة.
لذلك جرى تصميم آلية التنفيذ على أساس توزيع المسؤولية بين عدة مستويات متكاملة، بحيث لا يتمكن أي طرف منفرد من احتكار القرار أو تعطيل المسار بأكمله.
أولًا: المؤسسات التشريعية القائمة
يقع العبء الأول للتنفيذ على مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، باعتبارهما الجهتين المنصوص عليهما في الاتفاق السياسي لمعالجة الملفات الدستورية والانتخابية.
ويكون ذلك من خلال تشكيل اللجنة المشتركة المنصوص عليها في المادة (12) من الاتفاق السياسي، وإنجاز التعديل الدستوري الرابع عشر، وإقرار القوانين الانتخابية اللازمة لبدء الاستحقاق الوطني.
ثانيًا: لجنة الحوار السياسي الموسعة
إذا أخفق المجلسان في أداء هذه المهمة، أو تعمدا تعطيلها، وانقضت المهلة المحددة دون نتائج، فإن المسار لا يتوقف.
عندها تنتقل صلاحية الاعتماد والتنفيذ إلى لجنة الحوار السياسي الموسعة المشكلة استنادًا إلى المادة (64) من الاتفاق السياسي، والتي تضم ممثلين عن الأحزاب السياسية والبلديات والأكاديميين والمرأة والشباب والمكونات الثقافية والاجتماعية.
والغاية من هذا الترتيب ليست تجاوز المؤسسات القائمة، وإنما منع احتكارها للمسار الوطني أو استخدام حق التعطيل كوسيلة لتمديد الأزمة.
ثالثًا: السلطة التنفيذية الجديدة
تمثل حكومة الاستحقاق الوطني والمجلس الرئاسي الجديد الأداة التنفيذية المباشرة للمسار.
وتتمثل مسؤولياتهما في توحيد المؤسسات المنقسمة، وتهيئة البيئة الأمنية والإدارية اللازمة، وضمان توفير الدعم المالي واللوجستي للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وصولًا إلى إجراء الانتخابات في موعدها المحدد.
رابعًا: الضمان الدولي
لا يمكن لأي تسوية سياسية في ليبيا أن تنجح بمعزل عن المظلة الدولية الداعمة لها.
ومن هنا يأتي دور بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، والدول المنخرطة في مسار برلين، باعتبارها شريكًا ضامنًا للمسار، من خلال توحيد الاعتراف الدولي بالسلطة المنبثقة عنه، ومساندة الإجراءات الرامية إلى مواجهة أي محاولات لعرقلة التنفيذ.
كيف سينفذ التقرير وملاحقه؟
التنفيذ لا يقوم على الوعود أو التفاهمات السياسية المفتوحة، بل على مجموعة من الآليات العملية المصممة لمنع الانسداد وإبقاء المسار متحركًا حتى بلوغ هدفه النهائي.
1. مسارات بديلة تمنع التعطيل
أخطر ما واجه المبادرات السابقة هو قدرة بعض الأطراف على استخدام حق النقض السياسي لإيقاف العملية بأكملها.
ولهذا اعتمد التقرير مبدأ «المسارات البديلة»، بحيث لا يؤدي تعثر أي مرحلة إلى تعطيل المراحل التالية.
فإذا تعذر اعتماد الحكومة أو استكمال الإجراءات المطلوبة خلال الآجال المحددة، تنتقل الصلاحيات تلقائيًا إلى الجهة البديلة المحددة سلفًا، بما يضمن استمرار العملية السياسية وعدم احتجازها داخل المؤسسات المتنازعة.
2. الاستفتاء الشعبي كحكم نهائي
في القضايا الجوهرية التي قد تصل إلى طريق مسدود، لا يمنح التقرير حق الحسم لطرف سياسي على حساب آخر، بل يعيد القرار إلى مصدر الشرعية الأصلي: الشعب الليبي.
ولهذا اعتُمد الاستفتاء الشعبي التحكيمي كآلية ديمقراطية فاصلة في المسائل الكبرى التي يتعذر التوافق بشأنها، بحيث تصبح إرادة الناخبين هي المرجع النهائي والملزم للجميع.
3. منظومة ضمانات وعقوبات متدرجة
لا تكتمل أي آلية تنفيذ من دون ضمانات حقيقية.
ولهذا أُرفقت بالتقرير مجموعة من المواثيق والضمانات الملزمة التي تستهدف حماية العملية السياسية من العبث أو الاستغلال.
وتشمل هذه الضمانات تحييد المال العام عن الصراع السياسي، ومنع توظيف المؤسسات الأمنية والعسكرية في المنافسة السياسية، إضافة إلى اعتماد مبدأ التدرج في مواجهة التعطيل، بدءًا من التنبيه والإدانة السياسية، مرورًا بالمساءلة القانونية الوطنية، ووصولًا إلى الإجراءات الدولية بحق من يثبت تورطه في تقويض المسار أو عرقلة الاستحقاق الانتخابي.
4. إنهاء دوافع التمديد والبقاء
أحد الأسباب الرئيسية لفشل المراحل الانتقالية السابقة كان تحول بعض المسؤولين إلى أطراف مستفيدة من استمرار الوضع القائم.
ولمعالجة هذه المعضلة، يشترط التقرير على شاغلي المناصب التنفيذية خلال المرحلة الانتقالية تقديم تعهدات مكتوبة بعدم الترشح في الانتخابات التي ستُجرى في نهاية المرحلة.
وبذلك تصبح مهمتهم إدارة الانتقال وإنجاحه، لا توظيفه لخدمة طموحات سياسية أو انتخابية شخصية.
لذلك فإن تقرير مسار الحوكمة لا يقدم تصورًا نظريًا يفترض تعاون الجميع، بل يبني مسارًا سياسيًا قائمًا على بدائل واضحة، ومواعيد محددة، وضمانات ملزمة، بحيث لا يؤدي تعثر أي طرف إلى تعطيل الاستحقاق الوطني بأكمله.
فإذا التزمت المؤسسات القائمة بمسؤولياتها، مضى المسار من خلالها، وإن اختارت التعطيل، انتقلت صلاحيات التنفيذ إلى المسارات البديلة المحددة مسبقًا.
أما الكلمة الأخيرة، فعند تعذر التوافق، فتبقى للشعب الليبي بوصفه مصدر الشرعية وصاحب الحق الأصيل في تقرير مستقبل بلاده.


