in ,

بدل رفع الدعم عن المواطن… ابدأوا بالشركات وافتحوا خيارات وقود غير مدعومة

كلما طُرح ملف إصلاح دعم الوقود في ليبيا، يتجه النقاش سريعًا نحو المواطن باعتباره الحلقة الأولى التي يجب أن تتحمل تكلفة الإصلاح، غير أن هذا الطرح يتجاهل وجود بدائل أكثر عدالة وتدرجًا يمكن أن تحقق أهداف ترشيد الدعم دون المساس بحق المواطنين أو تحميلهم أعباء إضافية.

فإذا كانت الدولة تسعى إلى تخفيف الضغط على منظومة الوقود المدعوم وتقليص فاتورة الدعم المتزايدة، فإن الخطوة المنطقية الأولى يجب أن تبدأ من مراجعة استفادة الشركات والمصانع والأنشطة الاقتصادية الخاصة من الوقود المدعوم، وليس من جيب المواطن.

الدعم وُجد أساسًا لحماية المواطنين والمحافظة على قدرتهم المعيشية، وليس لتمويل تكاليف التشغيل أو زيادة هوامش أرباح الأنشطة التجارية والصناعية التي تبيع منتجاتها وخدماتها وفق أسعار السوق.
ومن هنا، فإن رفع الدعم عن استهلاك الشركات للديزل وزيت الوقود الثقيل المستخدم في الأغراض التجارية والصناعية يمثل خطوة أكثر عدالة وفاعلية من التوجه مباشرة نحو تقليص دعم الوقود المخصص للمواطنين.

وبالتوازي مع ذلك، يمكن للدولة أن تفتح خيارًا إضافيًا داخل السوق عبر توفير نوع من الوقود غير المدعوم، مثل بنزين 98 أو أي منتج آخر مناسب من الناحية الفنية، يُباع بالسعر التجاري الحقيقي لمن يرغب في استخدامه.

هذا الخيار لا يعني إلغاء البنزين المدعوم أو تقليص حق المواطنين فيه، بل يهدف إلى تنويع المنتجات المتاحة في السوق. فمن الطبيعي أن يفضل بعض أصحاب المركبات الحديثة أو الفارهة، أو الفئات القادرة ماليًا، استخدام وقود أعلى جودة مقابل سعر غير مدعوم. وفي هذه الحالة، تتحقق فائدة مزدوجة: توفير خيار أفضل لمن يرغب، وتخفيف جزء من الطلب الواقع على البنزين المدعوم.

كما أن وجود وقود غير مدعوم بشكل اختياري يساهم في تقليل الضغط على برامج التوزيع والإمداد، ويمنح الدولة مساحة أوسع لإدارة الدعم بصورة أكثر كفاءة واستهدافًا، دون اللجوء إلى إجراءات مفاجئة تمس جميع المواطنين على حد سواء.

إن إصلاح منظومة الدعم لا يجب أن يُختزل في رفع الأسعار أو تقليص المزايا الممنوحة للمواطنين، بل ينبغي أن يقوم على إعادة ترتيب الأولويات. فالأولوية يجب أن تبقى لدعم المواطن، مع وقف استفادة الأنشطة التجارية الخاصة من الدعم الموجه أصلًا للأسر والأفراد، وفتح خيارات تجارية بديلة لمن يستطيع الدفع ويرغب في الحصول على منتج مختلف.

إن توجيه الفئات القادرة نحو وقود غير مدعوم لا ينبغي أن يُنظر إليه كعبء إضافي، بل كخيار اقتصادي وطوعي يحقق منفعة شخصية للمستهلك، ويساهم في الوقت نفسه في تخفيف الضغط على الوقود المدعوم وتركه للفئات التي تحتاج إليه بالفعل.

الدعم يجب أن يبقى للمواطن، أما إصلاح السوق فيحتاج إلى حلول متدرجة وعملية تبدأ من وقف دعم أرباح الشركات، وتوسيع الخيارات أمام المستهلكين، بدلًا من تحميل المواطنين تكلفة الإصلاح منذ البداية.

What do you think?

0 نقاط
Upvote Downvote

توصيات الحوار المهيكل مَن سينفذها؟