Menu
in

التجربة السعودية في إصلاح دعم الطاقة: هل حلّ الدعم النقدي المشكلة أم غيّر شكلها فقط؟

عندما بدأت المملكة العربية السعودية إصلاحات أسعار الطاقة عام 2016، كان الهدف المعلن واضحاً: تقليص الدعم الحكومي للوقود والكهرباء، تحسين كفاءة استخدام الطاقة، وتعزيز الاستدامة المالية للدولة. ولتخفيف أثر ارتفاع الأسعار على المواطنين أُطلق برنامج “حساب المواطن” عام 2017 كآلية للتحويل النقدي المباشر، بحيث يحصل المواطن على تعويض نقدي بدلاً من الاستفادة من الأسعار المدعومة للطاقة.
من الناحية النظرية بدت الفكرة جذابة. فبدلاً من بيع الوقود والكهرباء بأسعار منخفضة للجميع، بمن في ذلك أصحاب الدخول المرتفعة وكبار المستهلكين، يتم رفع الأسعار وتوجيه جزء من الوفورات المالية إلى مستهدفين من المواطنين بشكل مباشر. لكن بعد مرور ما يقارب عقداً من الزمن على بدء التجربة، يبرز سؤال مهم: هل نجحت الإصلاحات فعلاً في تحقيق أهدافها أم أنها استبدلت مشكلة بأخرى؟
شهدت المملكة بين عامي 2016 و2018 زيادات كبيرة في أسعار الوقود والكهرباء. ووفق تقديرات صندوق النقد الدولي حققت الإصلاحات الأولى أثراً مالياً سنوياً قُدّر بنحو 48 مليار ريال سعودي، أي ما يعادل حوالي 12.8 مليار دولار أمريكي. وفي المقابل بدأت مدفوعات حساب المواطن عند مستويات تقارب 24 مليار ريال سنوياً.
لكن ما بدأ كبرنامج تعويض محدود نسبياً توسع تدريجياً مع مرور الوقت. فقد بلغت مدفوعات حساب المواطن نحو 44 مليار ريال خلال عام 2024، ومن المتوقع أن تقترب من 47 مليار ريال خلال عام 2025، أي ما يعادل نحو 12.5 مليار دولار أمريكي سنوياً. وبذلك أصبحت تكلفة البرنامج تقترب كثيراً من حجم الوفورات التي حققتها الإصلاحات الأولى وفق التقديرات المتاحة.
بدأت الإصلاحات مع رفع أسعار الوقود والكهرباء تدريجياً، حيث أوصت تقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بضرورة التخلص من التشوهات المالية الناتجة عن الدعم غير المستهدف. وقدرت الحكومة أن خفض الدعم وفر نحو 30 مليار ريال سنوياً، وهو ما اعتُبر خطوة مهمة نحو تعزيز الاستدامة المالية. في المقابل، ضخ برنامج حساب المواطن تحويلات نقدية تجاوزت 175 مليار ريال بين 2017 و2023، ثم ارتفعت إلى نحو 44 مليار ريال في 2024 و47 مليار ريال في 2025، حيث أن البعض يقدر أن التحويلات فاقت حجم الوفورات من خفض الدعم.
صحيح أن حجم الوفورات الفعلية اليوم يصعب تقديره بدقة، لأن قيمتها تتأثر بأسعار النفط العالمية وأسعار الطاقة المحلية وحجم الاستهلاك، إلا أن الملاحظة الأساسية تبقى قائمة: برنامج التعويض النقدي الذي كان يفترض أن يكون أداة انتقالية أصبح التزاماً مالياً دائماً وكبير الحجم.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الرئيسية في التجربة السعودية. فقد كان يُفترض أن يؤدي رفع أسعار الطاقة إلى تخفيف العبء المالي عن الدولة، لكن الدولة وجدت نفسها مضطرة لإنشاء برنامج تحويلات نقدية واسع النطاق للحفاظ على القبول الاجتماعي للإصلاحات. وبذلك لم تختفِ التكلفة المالية المرتبطة بالدعم، بل تغير شكلها فقط. فبدلاً من دعم سعر لتر الوقود أو كيلوواط الكهرباء، أصبحت الدولة تقدم دعماً نقدياً مباشراً للمواطنين.
وتبرز أهمية هذه النقطة عند النظر إلى مستقبل المالية العامة. فالوفورات الناتجة عن إصلاحات الطاقة ترتبط بدرجة أو بأخرى بأسعار النفط العالمية، وهي بطبيعتها متقلبة. أما حساب المواطن فقد تحول إلى التزام سياسي واجتماعي مستقر نسبياً يصعب تقليصه أو إلغاؤه. وهذا يعني أن الدولة انتقلت من نموذج دعم تتغير تكلفته مع ظروف السوق إلى برنامج إنفاق دائم قد يستمر حتى عندما تتراجع الإيرادات النفطية.
فإذا افترضنا على سبيل المثال تراجع أسعار النفط بصورة كبيرة خلال السنوات المقبلة، فإن الإيرادات الحكومية والوفورات المرتبطة بإصلاحات الطاقة ستنخفض، بينما سيظل من الصعب سياسياً خفض التحويلات النقدية أو إيقافها. وعندها قد يتحول البرنامج من أداة لتعويض المواطنين إلى مصدر ضغط إضافي على المالية العامة.
أما فيما يتعلق بهدف ترشيد الاستهلاك، فإن النتائج تبدو أقل وضوحاً مما يوحي به الخطاب الرسمي. فرغم الارتفاع الكبير في أسعار الوقود والكهرباء، لم ينخفض الاستهلاك الكلي للطاقة في المملكة بصورة مطلقة، بل استمر في النمو مع التوسع السكاني والاقتصادي. كما أن جزءاً مهماً من التحسن في كفاءة استخدام الطاقة خلال السنوات الأخيرة قد يكون مرتبطاً بالتطور التكنولوجي العالمي أكثر من ارتباطه بارتفاع الأسعار وحده. فالمكيفات الحديثة والسيارات الأكثر كفاءة والأجهزة الكهربائية الموفرة للطاقة انتشرت في معظم دول العالم، سواء رفعت أسعار الطاقة أم لم ترفعها.
ولا يعني ذلك أن الإصلاحات لم تحقق أي نتائج إيجابية. فقد ساهمت بلا شك في تقليص التشوهات السعرية التي كانت قائمة لعقود طويلة، وجعلت تكلفة الطاقة أقرب إلى قيمتها الاقتصادية الحقيقية. لكن التجربة تكشف أيضاً أن الانتقال من الدعم السعري إلى الدعم النقدي ليس نهاية المطاف كما يُصوَّر أحياناً، بل بداية مرحلة جديدة من الالتزامات المالية التي قد تستمر لعقود وفيها مخاطر مالية كبيرة قد تفوق أحيانا الدعم السلعي.
والخلاصة أن التجربة السعودية لا تقدم نموذجاً لإلغاء الدعم بقدر ما تقدم نموذجاً لإعادة تصميمه. فقد جرى استبدال الدعم غير المباشر المتمثل في الأسعار المنخفضة بدعم نقدي مباشر عبر حساب المواطن. وقد يكون هذا النموذج أكثر شفافية من الناحية المالية، لكنه لا يزيل التحدي الأساسي المتمثل في كيفية توزيع جزء من الثروة النفطية على المواطنين بصورة مستدامة. بل إن التجربة تطرح سؤالاً مهماً للمستقبل: هل نجحت الإصلاحات في التخلص من عبء الدعم، أم أنها حولته فقط من دعم للطاقة إلى التزام نقدي دائم قد يصبح أكثر صعوبة في أوقات انخفاض أسعار النفط؟

Exit mobile version