Menu
in

صراعنا لا تفسره النظريات الاقتصادية فهو صراع أخلاقي

 

يتبارى هذه الأيام رواد الذكاء الاصطناعي في قدرتهم على النسخ واللصق لأبسط أساسيات النظرية الاقتصادية التي تتحدث عن قوانين العرض والطلب، والفجوة السعرية، والتمويل بالعجز، وخلق النقود من عدم، والدعم السلعي ومضاره، والكتلة النقدية ومكوناتها، وغيرها… وكأنهم بذلك يقدمون حلولًا للأزمة الاقتصادية الخانقة التي نعيشها.
للأسف، فإن كل تلك النظريات المنسوخة والملصقة لم ولن تحل مشاكلنا الاقتصادية، ببساطة لأن جميعنا نعرف مبادئ الاقتصاد والنقود والمصارف منذ المراحل الأولى لدراسة الاقتصاد والمالية.

مشكلتنا الكبرى ليست في غياب المعرفة، بل في عدم وجود القدرة والإمكانية لتطبيق تلك المبادئ الأساسية في بيئة غير مستقرة؛ لا سياسيًا، ولا أمنيًا، ولا قانونيًا، ولا إداريًا.
مشكلتنا تكمن في التعامل مع متغيرات لم يسبق لكثير من الدول أن مرت بمثلها، بعضها ناتج عن تراكمات ثقافية أوجدتها ظروف معينة، ومعظمها يتمحور حول الصراع على الغنيمة والسلطة. وكل ذلك متوج بتاج قبيح اسمه: الفساد… والجهوية… ومنطق “حصتي وحصتك”، و”الصف الأمامي والحرامي”، ولا أعمم.

فلا تنقصنا الخبرات الوطنية، ولا تنقصنا الموارد، بل الذي ينقصنا هو الصدق، والأمانة، والوطنية. وللأسف، حتى عندما يحاول البعض الإصلاح، تتم مواجهتهم واتهامهم ومحاربتهم، إلى أن يُقتلعوا من مراكز اتخاذ القرار، ويتحولوا إلى مجرد كومبارس يعيش في كنف المنظومة وتحت رحمتها، بل وربما يصبحون جزءًا منها.

فهل يُعقل أن من بقي في السلطة سنوات طويلة سيتخلى عنها بسهولة، وهي مصدر قوته وثروته؟
والمبكي والمضحك في آنٍ واحد، أن سلطاتنا التشريعية والتنفيذية، أينما كانت وأيًا كان مصدرها، تتفق على شيء واحد فقط: إبقاء الوضع على ما هو عليه. ويصنعون الخلافات الصورية بهدف البقاء في السلطة، وتعطيل أي إمكانية للإصلاح، عبر توظيف الظروف القائمة لخدمة مصالحهم واستمرار نفوذهم.

إذًا، مشكلتنا ليست في النظريات الاقتصادية أو في عدم إدراكها من قبل مسؤولينا، بل في خلل أخلاقي عميق، وفي ترسيخ ثقافة الفساد ونهب المال العام، حتى أصبحت هذه الممارسات وكأنها عادة محمودة، وأصبح أصحابها ومريدوها هم أهل الوجاهة والصدارة، وأصحاب الحل والربط.

ومع ذلك، لا أعمم، فلعل هناك من يحاول الإصلاح ومحاربة هذه الظواهر السلبية المميتة، وكان الله في عونهم.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

المصدر: خاص الرائد

Exit mobile version