يخرج علينا هذا التيار اليوم مدّعيًا الصدمة مما كشفه تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة، وكأن ما ورد فيه هبط علينا اليوم من السماء، لا كأنه امتداد طبيعي لمسارٍ هم جزءٌ منه، ودافعوا عنه، وغطّوه سياسيًا ودينيًا حين اقتضت مصالحهم ذلك.
وهذا ليس فقط تناقضًا فجًّا في سلوكهم الذي نعرفه، بل محاولة مكشوفة لإعادة كتابة الوقائع والهروب من المسؤولية.
ما ورد في التقرير ليس اكتشافًا طارئًا، بل توثيقٌ متأخر لمسارٍ فاسد جرى تأسيسه علنًا وبمشاركتهم، وقد طال التحذير منه، وتناولته تقارير دولية ومحلية باعتباره بيئةً اختلّت فيها معايير النزاهة.
وهو ذاته المسار الذي جرى تسويقه يومًا تحت شعار سَمّيتموه “أخفّ الضررين”، فإذا به يتحوّل إلى أعظم الضررين وأخطرهما كلفةً على الدولة والمجتمع.
لقد حذّرنا منذ مارس 2021 بوضوحٍ لا لبس فيه من مآلات هذا المسار، وقلنا بوضوح إن أي سلطة تُصنع داخل ترتيباتٍ مشوبة بشبهاتٍ جدية، وتفتقر إلى الشفافية والمساءلة، لن تنتج إلا منظومة حكم فاسد تعيد تدوير الفساد وتغذّيه، ولن تبني إلا منظومة قائمة على الابتزاز وتقاسم النفوذ.
وما نشهده اليوم ليس انحرافًا مفاجئًا، بل النتيجة المتوقعة لمسارٍ مختل منذ بدايته، وقد بلغ نهاياته الطبيعية.
إن ادّعاء الصدمة اليوم ليس موقفًا أخلاقيًا، بل محاولة متأخرة لإعادة التموضع، والتنصّل من مسؤولية سياسية وأخلاقية لا تسقط بالتقادم، ولا تُمحى بتبديل الخطاب، ولا تزول بمحاولات إعادة تفسير ما جرى، بعد أن أصبحت الوقائع موثّقة في تقارير دولية لا يمكن إنكارها أو القفز عليها. فالمسؤولية السياسية لا تُمحى بتبديل الخطاب.
المشكلة لم تكن يومًا في غياب الحقائق، بل في التواطؤ السياسي الصامت، وأحيانًا المعلن، مع مسارٍ أضعف مؤسسات الدولة، وفتح المجال أمام شبكات المصالح، وأفقد مؤسسات الدولة قدرتها على العمل وفق قواعد النزاهة والعدالة.
والأخطر من ذلك أن هذا المسار لم يكتفِ بإنتاج الفساد، بل عمل على ترسيخه وتطبيعه كواقعٍ قابلٍ للإدارة، لا كخللٍ يجب إنهاؤه، وتحويله من حالةٍ مدانة إلى ممارسةٍ مبرّرة، وهو ما شكّل انزلاقًا خطيرًا في الوعي العام ومعايير الحكم.
وهنا يكمن جوهر الأزمة وخطورة ما فعلتم:
حيث تحوّل الانحراف من حالةٍ مرفوضة إلى خيارٍ مبرَّر، ويُعاد تشكيل الوعي العام ليقبل بالانحراف كخيار، لا كخطرٍ داهم.
وعليه، فإن المرحلة لم تعد تحتمل خطابات التبرير ولا محاولات الالتفاف، والمطلوب ليس ادّعاء الصدمة، بل الاعتراف الصريح بالخطأ، وبأن الرهان على هذا المسار كان خطأً جسيمًا، وعليكم تحمّل تبعاته السياسية والأخلاقية، والانخراط الجاد في تيار وطني جامع يقوم على إنهاء منطق الصفقات، واستعادة مؤسسات الدولة، وفرض قواعد شفافة للمساءلة، وتفكيك شبكات الفساد، ووضع معايير واضحة للحكم الرشيد تعيد للدولة هيبتها ومكانتها في قلوب الليبيين قبل العالم.
فليبيا اليوم لا تحتاج إلى من يبرر، بل إلى من يراجع، ومن يختار المراجعة الجادة يضع نفسه في صف بناء الدولة، أما من يصرّ على الإنكار وإعادة إنتاج نفس الأدوات، فسيبقى جزءًا من الأزمة، لا من الحل

