اعتبر منتدى الشرق الأوسط، القرار الدولي الأخير المتعلق بتنظيم عائدات النفط الليبي بأنه، لا يمثل مجرد إجراء روتيني، بل يعكس اعترافاً ضمنياً من المجتمع الدولي بوجود انقسام عميق وشبكات مالية موازية ترسخت في البلاد على مدار أكثر من عقد.
وأوضح المنتدى في تقرير تحليلي أن القرار، رغم اعتماده بالإجماع من قبل مجلس الأمن الدولي، يؤكد مجدداً على أن المؤسسة الوطنية للنفط هي الجهة الوحيدة المخولة قانوناً بتسويق وتصدير النفط الليبي، مع التشديد على حظر إيداع العائدات خارج القنوات الرسمية، وتوسيع نطاق العقوبات ليشمل الأفراد والجهات المتورطة في عمليات التهريب أو خرق حظر السلاح.
وأشار التقرير إلى أن اللغة الدبلوماسية المستخدمة في القرار تخفي واقعاً أكثر تعقيداً على الأرض، يتمثل في استمرار عمل أنظمة مالية موازية، خاصة في شرق ليبيا، حيث تتداخل الهياكل العسكرية مع إدارة الموارد الاقتصادية، ما يعزز من حالة الانقسام ويقوض جهود التوحيد.
ويرى المنتدى أن الأزمة الليبية تجاوزت كونها صراعًا سياسياً أو عسكرياً، لتتحول إلى ما وصفه بـ”التشرذم المؤسسي”، في ظل وجود حكومتين متوازيتين في كل من طرابلس وبنغازي، تتنافسان على إدارة مؤسسات الدولة، الأمر الذي يضعف فرص بناء سلطة مركزية موحدة.
وأكد التقرير أن قطاع النفط يمثل محور هذا الانقسام، حيث تُستخدم عائداته في بعض الحالات خارج الأطر الرسمية، سواء لدفع الرواتب أو تمويل التشكيلات المسلحة أو تعزيز شبكات الولاء المحلية، وهو ما يسهم في ترسيخ الانقسام السياسي والاقتصادي.
وفي سياق متصل، أشار المنتدى إلى أن الاتفاق الأخير بشأن الميزانية الموحدة بين شرق وغرب ليبيا لا يعكس بالضرورة توحيداً فعليًا لإدارة الإيرادات، في ظل استمرار الخلافات حول آليات التنفيذ والرقابة، ما يثير شكوكاً حول مدى استدامة هذا التفاهم.
كما تناول التقرير ملف الهيئة الليبية للاستثمار، معتبراً أنه يمثل نموذجاً إضافياً على هشاشة مؤسسات الدولة، في ظل استمرار تجميد أصولها وخضوعها لإشراف دولي، وهو ما يعكس ضعف القدرة المحلية على إدارة الموارد السيادية.
ولفت المنتدى إلى أن ليبيا تحولت إلى ساحة لتقاطع النفوذ الإقليمي والدولي، مع وجود عسكري أجنبي متنوع، إلى جانب تدفق الأسلحة عبر أراضيها نحو مناطق نزاع في أفريقيا، ما يزيد من تعقيد المشهد الأمني والسياسي.
وخلص التقرير إلى أن قرارات مجلس الأمن الدولي، رغم تراكمها منذ عام 2014، لم تحقق نتائج حاسمة في فرض رقابة فعالة على عائدات النفط، ما يعكس محدودية أدوات المجتمع الدولي في التعامل مع الأزمة الليبية.
وأكد أن استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي يعيق تحول ليبيا إلى شريك مستقر في ملفات الهجرة ومكافحة الإرهاب، ويحد من قدرتها على لعب دور توازني في منطقة البحر المتوسط.
واختتم المنتدى تحليله بالتأكيد على أن اعتماد القرار الدولي الأخير لا يمثل تطوراً نوعياً بقدر ما هو تأكيد متأخر على الحاجة الملحة لتنظيم إدارة الإيرادات النفطية، مع التشكيك في إمكانية تطبيقه بشكل فعلي في المدى القريب، في ظل استمرار الانقسامات القائمة.

