أثارت تسريبات حول دعوة البعثة الأممية في ليبيا حكومة الوحدة الوطنية وقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر للمشاركة في “طاولة مصغّرة” لمناقشة القضايا العالقة المرتبطة بتنفيذ خريطة الطريق التي أعلنتها البعثة في أغسطس الماضي، موجة من ردود الفعل المنددة والرافضة لهذا المسار المفاجئ.
وقالت مصادر محلية إن الطرفين استجابا للمراسلة وأرسلا قوائم مرشحيهما، حيث ضمّت قائمة حكومة الوحدة: علي عبدالعزيز، وعبدالجليل الشاوش، ومصطفى المانع، ووليد اللافي، فيما شملت قائمة القيادة العامة آدم بوصخرة، وزايد هدية، وعبد الرحمن العبار، والشيباني بوهمود.
وبين مساعٍ دولية لتسريع التوافق، وتحفظات داخلية تخشى الإقصاء أو فرض حلول غير متوازنة، يبقى مستقبل هذه المبادرة مرهوناً بقدرتها على تحقيق الحد الأدنى من التوافق بين الأطراف الرئيسية دون تفجير توترات جديدة، وذلك في وقت تتصاعد فيه التوقعات قبيل الإحاطة المرتقبة للمبعوثة الأممية أمام مجلس الأمن.
وتأتي هذه الخطوة قبل يومين فقط من الإحاطة المرتقبة للمبعوثة الأممية، وسط سباق مع الزمن لفرض واقع سياسي جديد.
احتواء المسار الأميركي
وأفادت صحيفة “العربي الجديد” أن مقترح الطاولة المصغّرة ليس وليد اللحظة، بل يعود إلى ما طرحته المبعوثة الأممية هانا تيتيه خلال إحاطتها أمام مجلس الأمن في فبراير الماضي.
وتقوم فكرة “الطاولة المصغّرة”، وفقاً للصحيفة، على تحقيق توازن دقيق يتمثل في عدم إقصاء مجلسي النواب والدولة بشكل كامل، مع إشراك سلطتي طرابلس وبنغازي كفاعلين رئيسيين في المشهد.
ويُنظر إلى هذه المقاربة باعتبارها محاولة لاحتواء التحركات الدولية، لا سيما الأميركية، ضمن إطار أممي يمنح أي تسوية محتملة غطاءً من الشرعية الدولية.
كما أوضحت المصادر أن هذه الخطوة جاءت عقب نقاشات موسعة بين تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري، الدبلوماسية الأميركية السابقة، والتي دفعت باتجاه اعتماد هذه المقاربة كوسيلة لـ”احتواء المسار الأميركي”، بدلاً من السماح له بالتحرك بشكل موازٍ للخطة الأممية.
رفض رئاسي وتحذيرات من “التسريبات”
في المقابل، عبّر المجلس الرئاسي عن استغرابه من الأنباء المتداولة بشأن ترتيبات لعقد “حوار مصغّر”، منتقداً طرح “مسارات حساسة” عبر وسائل الإعلام دون إعلان رسمي.
وأكد المجلس، في بيان صادر عن مكتبه الإعلامي، رفضه القاطع لسياسة تسريب المعلومات، محذراً من أن هذه الأساليب تُربك المشهد العام وتُضعف الثقة بين الأطراف، وقد تدفع نحو تصعيد غير محسوب.
ودعا المجلس بعثة الأمم المتحدة إلى تقديم توضيح رسمي عاجل، مؤكداً دعمه لأي مسار واضح وجاد يهدف إلى تحقيق الاستقرار بعيداً عن الغموض أو الصيغ غير المتوازنة.
رفض محاولات الالتفاف
من جهته، أكد المجلس الأعلى للدولة أن أي محاولة للالتفاف على الأطر الرسمية والقانونية من خلال دعم كيانات عائلية أو مجموعات جهوية بعيداً عن المؤسسات الشرعية، لن تؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وجر البلاد إلى مزيد من الفوضى وهدر المقدرات الوطنية.
وقال المجلس في بيان حول هذه التطورات، إن البعثة الأممية دأبت في الفترة الأخيرة على انتقاء أعضاء من مؤسسات تشريعية وتنفيذية دون احترام آليات العمل بهذه المؤسسات، مما يزيد من الشك والريبة في نواياها، إضافة إلى ما يمثله ذلك من تطاول وتجاوز لمؤسسات الدولة الشرعية.
وأضاف أن العائق الحقيقي أمام الوصول إلى تسوية سياسية شاملة يتمثل في محاولات بعض الأطراف الدولية والبعثة الأممية فرض شخصيات وصياغات تهدف إلى السيطرة على السلطة وموارد الدولة، بدلاً من تمكين الشعب من ممارسة حقه الديمقراطي.
وشدد المجلس على أن الليبيين لن يقبلوا أن تكون مقدراتهم رهينة تسويات مشبوهة تُدار في الغرف المغلقة بعيداً عن السيادة الوطنية، داعياً كافة القوى الوطنية والتيارات السياسية والاجتماعية إلى اليقظة والاصطفاف خلف مشروع وطني خالص ينهي حالة الانقسام، ويوقف التدخلات الأجنبية، ويمهد لإقرار دستور دائم وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية متزامنة في أقرب وقت ممكن.
مسارات مرهونة بالمجلسين
من جانبه، اعتبر عضو مجلس النواب عبد المنعم العرفي، أن تسمية ممثلين عن المجلس في “الطاولة المصغّرة” قد يكون بموافقة أو بقرار رسمي من هيئة الرئاسة، باعتبارها الجهة المخولة بتكليف من تراه مناسباً لتمثيل المجلس في هذا المسار.
وأوضح العرفي في تصريح لصحيفة “الرائد”، أن هذا المسار يثير تساؤلات حول مدى كونه امتداداً فعلياً للمسارات السابقة، مثل حوار جنيف وما تلاه من جولات وصولاً إلى الحوار المهيكل، والتي لم تفضِ إلى تفاهمات حقيقية واستمرت معها الخلافات.
ورأى أن “الطاولة المصغّرة” قد تشكل جزءاً من حل الأزمة الليبية، حتى وإن لم تُنهِها بشكل كامل، إذ يمكن أن تسهم في الوصول إلى تفاهمات أولية.
وأكد أن النتائج النهائية ستبقى مرهونة بمجلسي النواب والدولة، باعتبار أن ممثليهما سيعرضون ما يتوصل إليه، بما في ذلك نقاط الاتفاق والمسائل الخلافية التي قد تظل عالقة.
وأضاف أن تعدد المسارات الموازية قد يكون له انعكاس إيجابي هذه المرة إذا ارتبط بخطوات عملية، من بينها اعتماد ميزانية الإنفاق التنموي، وإقرار ميزانية موحدة، إضافة إلى النظر في القوانين الانتخابية، بما يمهد للوصول إلى انتخابات تقبل جميع الأطراف بنتائجها.
وفي ظل هذا التشابك بين هذا الطرح الأممي الذي لم يصدر رسميا بعدُ وبيانات الرفض والتباين حول طبيعة التمثيل، هل تنجح “الطاولة المصغّرة” في فتح مسار فعلي للحل، أم تتحول إلى حلقة جديدة في سلسلة التعقيد السياسي الليبي؟


