Menu
in

رفع الدعم ليس نتيجة للأرقام … بل لطريقة قراءتها

ليست كل الأرقام الصادمة تعني أن الحل واضح.
في ملف المحروقات تحديدًا، تتحول الأرقام الكبيرة بسرعة إلى استنتاجات جاهزة، وكأن حجم الفاتورة وحده يكفي لتحديد مسار القرار.

لكن في الاقتصاد، الرقم لا يتكلم وحده…
بل يتغير معناه حسب الطريقة التي يُقرأ بها.

في هذا السياق، طُرحت تقديرات تشير إلى أن فاتورة المحروقات في ليبيا قد تصل إلى نحو 78 مليار دينار سنويًا كحد أدنى، وقد تتجاوز 100 مليار، مع الإشارة إلى أنها تمثل قرابة 33% من إجمالي إنتاج النفط، واحتساب نصيب الفرد بأكثر من 12 ألف دينار سنويًا، فضلًا عن توقعات قد تدفع بها إلى حدود 120 مليار دينار في ظل ارتفاع الأسعار العالمية.

هذه الأرقام، رغم أهميتها، تحتاج إلى قراءة أدق.

فجزء معتبر من هذه التقديرات يشمل الغاز الطبيعي، وهو عنصر أساسي في معادلة الطاقة في ليبيا، حيث يُستخدم في معظمه داخل محطات توليد الكهرباء لضمان استمرارية الشبكة، ولا يذهب بشكل مباشر إلى الاستهلاك الفردي. وبالتالي، فإن إدخاله ضمن نفس السلة مع المحروقات الموجهة للاستخدام اليومي للمواطن، دون تفكيك، قد يعطي انطباعًا مضللًا حول طبيعة الاستهلاك ومن يتحمل مسؤوليته.

كما أن جزءًا مهمًا من هذه الأرقام مبني على احتساب المحروقات وفق السعر العالمي، أي افتراض أن كل ما يُستهلك محليًا هو قيمة مفقودة كان يمكن تحقيقها عبر التصدير. هذا الطرح معروف اقتصاديًا، ويُستخدم لقياس ما يُعرف بالتكلفة البديلة، لكنه يعكس قيمة نظرية أكثر مما يعكس تكلفة فعلية تتحملها الدولة نقدًا.

وهنا يكمن جوهر المسألة.

حين تُقدَّم هذه القيمة النظرية على أنها عبء مالي مباشر، تتحول الأرقام من أداة للفهم إلى أداة للضغط، ويُبنى عليها استنتاج سريع مفاده أن الدعم هو المشكلة.

لكن في الواقع، هذه الأرقام لا تفسّر المشكلة … بل تعكس نتائجها.

فارتفاع فاتورة المحروقات ليس ظاهرة مستقلة، بل نتيجة مباشرة لاختلالات في إدارة الموارد، وآليات التسعير، والبيئة النقدية، وطبيعة السوق، وهو ما يجعل الرقم الكبير عرضًا لأزمة أعمق… لا سببًا لها.
والحقيقة أن المشكلة لا تكمن في الدعم بحد ذاته، بل في الطريقة التي تُدار بها المنظومة التي تستهلك هذا الدعم، حيث يتحول، في غياب كفاءة التشغيل داخل قطاع الكهرباء، وارتفاع الفاقد الفني والإداري، وضعف الرقابة على ما بعد التوزيع، واستمرار الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي، إلى جانب غياب الحوكمة الفعالة، من أداة حماية اجتماعية إلى مصدر للهدر وتشوهات اقتصادية.

وبالتالي، فإن القفز من هذه الأرقام إلى المطالبة باستبدال الدعم هو تعامل مع النتائج … وتجاهل للأسباب التي صنعتها.

ولعل ما يُلاحظ في هذا الطرح أنه يركّز على حجم الرقم أكثر من مكوناته، وهو ما يدفع بالنقاش نحو حلول سريعة بدل المعالجات الهيكلية.

لأن السؤال الذي يجب أن يُطرح ليس: كم ندفع؟
بل: لماذا ندفع هذا الرقم أصلًا؟ وكيف يُنفق؟

في غياب إجابة واضحة، يصبح أي قرار بإلغاء الدعم أو استبداله نقديًا قرارًا مبنيًا على قراءة جزئية، لا على تشخيص كامل. والتجارب الاقتصادية تُظهر أن القرارات التي تُبنى على أرقام صحيحة لكنها مُفسَّرة بشكل ناقص، غالبًا ما تؤدي إلى نتائج عكسية.

ليست المشكلة أن فاتورة المحروقات كبيرة… بل أن قراءتها بشكل خاطئ يحوّلها من مؤشر على الخلل … إلى مبرر لقرارات لا تعالجه.

وحين تُستخدم الأرقام لتبرير القرار بدل تفسير المشكلة، يصبح ما يُقدَّم على أنه إصلاح، مجرد إعادة توزيع للأزمة، تنتقل فيها الكلفة من حسابات الدولة إلى قدرة المواطن الشرائية، دون أن تتغير جذور الخلل.

لهذا، فإن أي نقاش جاد حول دعم المحروقات يجب أن يبدأ من فهم مكونات هذه الأرقام، والتمييز بين ما هو نظري وما هو فعلي، وبين ما هو نتيجة وما هو سبب. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من الرقم … بل من ما وراءه.

غير ذلك، سنبقى أمام معادلة تتكرر:
أرقام صادمة … قرارات متسرعة … وواقع لا يتغير.

Exit mobile version